الجمعة, 25 أيار 2012 21:51

تأملات في أحوال الإنسان والحيوان

كتبه  د. لطفي الشربيني
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

man-dogجاء في إحصائية نشرت مؤخرا أن ما يقرب من 5 ملايين شخص في الولايات المتحدة يتعرضون لعض الكلاب كل عام .. وهنا في هذا الموضوع نتناول هذه المسألة من جوانب مختلفة مع عرض لوجهة النظر العلمي والطبية والنفسية .. وبعض الملاحظات والتأملات حول مدلول الحقائق التي تضمنها هذا الموضوع

 

 

دراسة علمية مثيرة : -

بالرغم من الحياة المليئة بالمشاغل ، والكثير من الأولويات التي تحتل دائما دوائر اهتمامنا ألا أنني توقفت لأتأمل واحدا من الموضوعات التي نشرتها مؤخرا المجلة الطبية البريطانية تحت عنوان " الكلاب التي تعقر " ( Dogs that bite ) ، وهو عرض لدراسة علمية طريفة – لكنها جادة للغاية – قام بها أحد العلماء حين أحصي ضحايا عض الكلاب في منطقته علي مدي سبع سنوات من واقع سجلات المستشفيات ، وقام بإرسال استمارات للرأي عن طريق البريد تحتوي علي أسئلة تتعلق بمكان وظروف الحادث ( عضة الكلب ) ، وكيف حدثت ، والإصابة الناتجة عنها ، ونوع الكلب الذي تسبب فيها ، ووجهة نظر الضحية ( الشخص الذي تعرض لعضة الكلب ) في الحادث وشعوره الحالي نحو الكلاب بصفة عامة .

كما نعلم فان أي بحث علمي له منهج وأسلوب يؤدي للحصول علي نتائج يتم تحليلها واستخلاص الاستنتاج العلمي بعد ذلك ، وبهذا المنهج يتم دراسة الظواهر ورصد الحقائق العلمية ، وهذا بالضبط ما قام به الباحث هنا حين أرسل استمارات المعلومات الي ضحايا عض الكلاب في عناوينهم التي حصل عليها من ملفات المستشفيات ومراكز الإسعاف ، وفي حالة ما إذا تعرض للعضة طفل صغير السن ترسل الاستمارة الي والده ، وقد استجاب ما يزيد علي 80 % من الذين أرسلت إليهم هذه الاستمارات بملء بياناتها وردها مرة أخري الي الباحث ، وهذا كما نلاحظ أسلوب حضاري يدل علي تعاون وتفهم لأهمية المشاركة الايجابية من جانب الجمهور هناك .


كان الذكور أكثر عرضة لعض الكلاب من الجنس الآخر ، وكان الاطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة يشكلون أكثر من نصف عدد ضحايا عض الكلاب .

وتراوحت الإصابات التي لحقت بهؤلاء الضحايا من أطفال وبالغين نتيجة لتعرضهم لعض الكلاب بين إصابات سطحية ، وجروح خطيرة نافذة ، وفي بعضهم كانت الاصابة خطيرة نتيجة لتهتك في أنسجة الجلد والعضلات العميقة ، وأحيانا كان مكان الاصابة هو الوجه ، وقد تطلب إسعاف وعلاج هذه الحالات الكثير من الجهد والوقت ، كما تم تحويل بعضها لاستكمال العلاج عن طريق جراحة التجميل ، وذلك بالاضافة الي الآثار النفسية الهامة لعضة الكلب خصوصا علي الأطفال دون سن العاشرة وعلي أسرهم أيضا .

الكلاب التي تعض الإنسان :-

اهتمت الدراسة أيضا بالكلاب التي كانت طرفا في حوادث العقر المختلفة ، فقد أمكن تحديد أنواع وسلالات الكلاب التي تعض وعلاقة ذلك بشدة الاصابة التي تؤكد شراسة الكلاب وخطورته ، فالكلاب من سلالة " ستافوردشير " و " جاك رسل " و " دوبرمان " تأتي في مقدمة القائمة ، وهي أنواع شديدة المراس يستخدم بعضها لأغراض الحماية والحراسة والصيد

لكن الطريف حقا أن الغالبية من حوادث عض الكلاب كانت بواسطة كلب مملوك للضحية ، أو معروف له جيدا ، لكن – للإنصاف – فان واقعة العض كانت تحدث داخل بيت الكلب أو في مكانه في 85 % من الحالات ، أي أن الكلب لم ينتقل ليهاجم الضحية أو يتعقبه ، كما أكدت الدراسة أن ذكور الكلاب كانت أكثر عرضا للآدميين من إناثها ، أما عن مصير الكلاب التي تعض فقد وجد أن صاحب الكلب يقوم بقتله في 56 % من الحالات ، وفيما تبقي منهم فان 18 % من الكلاب يعود الي العض مرة أخري !

وقد اهتمت الدراسة أيضا بالظروف والملابسات المحيطة بالواقعة ، فكما ذكرنا يحدث العض للضحايا من كلابهم في العادة ، ولا يكون بالضرورة نتيجة لاستثارة الكلب بل قد يعض الكلب شخصا أثناء اللعب معه أو تدليله أو أثناء سيره في الطريق ، ذلك يحدث في أقل من نصف الحالات تقريبا ، ويتعرض الكبار عادة لعض الكلاب وهم في منازلهم ، بينما يتعرض الأطفال لمهاجمة الكلاب أثناء زيارة صديق أو في منزل أحد الأقرباء أو عند الجيران .


جوانب نفسية للكلاب وللضحايا :-

وبدراسة ظروف وملابسات عض الكلاب فقد أمكن التوصل الي عدة حقائق أهمها أن عضة الكلب غالبا ما يكون مصدرها كلبك أو كلب تعرفه جيدا وعادة ما تحدث في عقر دارك ، ولكن السبب المباشر هو مهاجمة الكلب في مكانه ، أو التصرف بطريقة يعتبرها الكلب تهديدا له ( شخصيا ) من جانب الضحية ، أو يري فيها الكلب تهديدا لأسرته ( ليست أسرة الكلب ، ولكن الأسرة التي تملكه وتقوم علي تربيته ) ، وفي بعض الحالات لا يكون هناك شيء من ذلك لكن الكلب غيور أكثر من اللازم ! أو أنه - أي الكلب - قد أساء فهم وتفسير الموقف !!

أما عن الإصابات المباشرة نتيجة لعضة الكلب من جروح وتهتك فقد أشرنا الي ذلك ، لكن هناك من الآثار النفسية ما يحدث ويمتد لفترة طويلة بعد علاج كل الجروح والإصابات المباشرة ، وقد يستمر لسنوات طويلة ، فقد وجد أن الأطفال دون العاشرة يصابون بالعصبية الزائدة ، وتظهر انفعالاتهم بشدة عند رؤية الكلاب أو حتي سماع نباحهم ! فقد ذكرت نسبة من الأطفال – وبعض من الكبار أيضا – أن مجرد رؤية أي كلب عقب العضة تثير لديهم شعور الخوف ، كما وجد أن نسبة كبيرة من الأباء كان تأثرهم بالغا نتيجة تعرض أطفالهم لعضة الكلب ، وكان رد فعل بعضهم الشعور المبالغ فيه من الخجل والإحساس بالذنب لأنهم ربما تسببوا بتقصيرهم في مراقبة الأطفال فيما حدث .

بقي أن نذكر أن ما يقارب من ثلثي الأطفال وأكثر من نصف الأشخاص الكبار الذين تعرضوا لعضة الكلب منذ سنوات عديدة قد اعترفوا أنهم – ورغم مرور هذا الوقت الطويل – أصبحوا يحذرون الكلاب بشكل مبالغ فيه ، ويحسبون لهم ألف حساب !!

الدروس المستفادة :-

معذرة – عزيزي القارئ – ارجوا ألا ينفذ صبرك وأنت تطالع كل هذه التفاصيل ، وأظنك لم تكن تتوقع أن يوجد في الدنيا من يتسع صدره لدراسة وتحليل كل هذه الأمور حول موضوع نعتبره بسيط للغاية كهذا الذي نتحدث عنه وهو عضة الكلب ، لكن دراسة الطب تعلمنا أن نحاول بصبر البحث عن علاج ناجح لكل داء ، ألا أن الوقاية تأتي في المرتبة الأهم ، وأعتقد أن أهمية الكلاب عن ضحايا عضة الكلب ومعرفة أنواع الكلاب التي تعض والظروف والملابسات التي تدفعها الي ذلك لابد أن يفيدنا في التوصل الي الأسلوب الأمثل لحل المشكلة بالوقاية قبل العلاج .


ومن الدروس المستفادة من هذا الموضوع أيضا – عزيزي القارئ – ذلك الأسلوب العلمي في تناول المشكلة حيث رأي الباحث أنها تهم قطاعا من الناس في مجتمعه ( بريطانيا ) فراح يبحث في كل جوانبها ويحاول التوصل الي جذورها ، ان ذلك هو سر تقدم العلم حين يحاول ملاحظة الظواهر بدلا من المرور عليها مرور الكرام ، فيتم رصد أي ظاهرة ودراسة جوانبها بأسلوب علمي ومن ثم التعامل معها .

كانت التوصية التي خلصت اليها هذه الدراسة هي في الواقع دليل تبرئة للكلاب التي تعض ، فقد وجد الباحث بعض المبررات لسلوك الكلب تدفعه الي العض حين يجد شخصا يزعجه من نومه دون مبرر ، أو يتجه اليه بطريقة يمكن تفسيرها علي أنها تهديد مباشر له ، أو يقوم بمضايقته ، أو يسرف في اللعب معه والمزاح الي درجة تؤدي الي إثارته ، وهو ( أي الكلب ) في كل هذه الحالات علي حق في أن يبدي قدرا من الشراسة ليضع الأمور في نصابها !!

لكني أسألك – عزيزي القارئ – عن المبرر الذي يدفع الإنسان الي العدوان المدروس علي أخيه الإنسان في الحروب التي تشتعل في كل أنحاء العالم وتدور رحاها لتمتد الي سنوات ، ويقوم فيها الإنسان باستخدام كل الأسلحة ليقتل ويدمر دون سبب ، أو لأسباب واهية لا يمكن أن تبرر سقوط هذه الأعداد من الضحايا كل يوم ، لا تقل لي – عزيزي القارئ – إنها السياسة التي نفهمها هي التي تدفع الناس الي قتل بعضهم بعضا ، فالله سبحانه وتعالي أعطي للإنسان العقل كي يدفع عجلة الحياة ويؤدي رسالة سامية ، وليس لاستخدامه في القتل والتدمير مهما كانت المبررات .

والغريب بعد ذلك أنك إذا أردت أن توجه إهانة بالغة الي شخص ما تصفه بأنه " كلب " ألا تري معي أن ذلك شيء لا معني له بالمرة ، بل ينطوي علي ظلم بالغ .. للكلاب ، واخيرا فإنني أعتذر عن اختيار مثل هذا الموضوع الذي يبدو هامشيا أو غير جاد للكتابة فيه.. لكن المزيد من القراءة المتأنية في سطوره ربما يكون مادة ملائمة للتأمل في بعض شئون الإنسان والحيوان .. وربما في مجمل أحوال الدنيا في عصرنا الحالي .

 

المصدر : www.hayatnafs.com

إقرأ 1902 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 25 أيلول/سبتمبر 2012 08:32
FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed