السبت, 29 كانون1/ديسمبر 2012 23:29

الإبداع الإداري بين الإرادة والقدرة

كتبه  د. خالد الخاجة
قييم هذا الموضوع
(3 أصوات)

لا يستطيع أحد أن ينكر أن الحركة الجماعية للشعوب وتناغمها هي المحرك الحقيقي للتنمية، وتبادل الأدوار فيما بينهم وإيمانهم بما يقومون به وإصرارهم عليه، هي السبيل إلى النجاح، إلا أن أحدا لا ينكر أيضا أن الإنجازات الحضارية كانت لإبداعات فردية في الأساس، كما أنماحدث من إنجازات على وجه الأرض، مردّه إلى نخب فردية استطاعت أن تؤثر فيمن حولها، وكل الأفكار التي حفرت لنفسها مكانا ومكانة تاريخية، كانت حلما في أدمغة أصحابها الذين أصروا عليها، وكان الرأي العام حولها في حاصل تفعيل الرأي الخاص، عبر الاقتناع لا عبر القهر والفرض.

 

وبعيدا عن كل الفلسفات التنظيرية التي أعتقد أن جانبا كبيرا منها تم قياسه على أرض الواقع، وما قبله الواقع وحقق نجاحا واستحسنه الناس، تم تقعيده وتطويره والبناء عليه، والشاهد أن القادة الذين ألهبوا مشاعر الناس وحركوا الماء الراكد وغيروا معالم التاريخ الذي توقف عندهم كثيرا، لم تكن انطلاقاتهم من قواعد علمية بقدر ما هي سمات شخصية وواقع أثبت نجاعته.

وأتذكر يوم أن حدثني صديق قائلا: رغم أنني أسست شركة بمواصفات عالمية، إلا أنني أشعر أنني لم أحقق النجاحات التي كنت أتوقعها، خاصة أنني أجلس على كرسي رئيس مجلس الإدارة الذي أصبحت أشعر أنه عبء كبير، فكيف تجدني أستطيع أن أعيد الركب إلى مسيرته الصحيحة؟ وما السبيل إلى الوصول بالسفينة إلى بر الأمان؟ وأين الخطأ على وجه التحديد؟ فأخذت أتابع أداءه بعض الوقت؛ باعتبار أن صديقك من صدَقك، ولأرى بنفسي؛ باعتبار أن من رأى ليس كمن سمع، ولأن ما بيني وبينه يسمح لي أن أَصدُقه.

فقلت: يا أخي، إن القيادة لا تعني أن آخذ قوتك من منصبك رغم أنها تعطيك الشرعية الرسمية، ولكن في يقيني أن الشرعية النفسية هي إيمان فريق العمل معك بكفاءتك واستيعابك وقدراتك.

القيادة الإدارية لا تعني أن تكون لك صلاحية إصدار الأوامر ثم الاكتفاء بذلك، فذاك امتياز مؤقت، ولكنها تعني الجهود المبذولة من أجل تغيير سلوك الناس لتحقيق الهدف المرجو، بمشاركتهم وإحساسهم أنهم الأكثر بذلا، وفي الملمات يكون أقربهم إلى درء الخطر بنفسه وماله، لا أن يتوارى عند الشدائد.

لقد انسحب أحد مرشحي الرئاسة الأميركية من المنافسة، حين تحدثت الصحف عن واقعة فراره يوم أن تعرض منزله لحريق تاركا أسرته من خلفه، قائلة: فكيف من تخلى عن أسرته في محنتها يكون مسؤولا عن الشعب الأميركي؟! يجب على القائد الإداري أن يكون القدوة في الانضباط، فلا يجوز له أن يصل للاجتماعات بعد الآخرين وبوقت طويل، معتقدا أن أهميته ومكانته تتطلب منه أن يفعل ذلك، وأن استعلاءه على من يعمل معهم هو أسلوب يؤدي إلى احترامه.

القائد الإداري هو القادر على معرفة قدرات المحيطين به، كما يستطيع بأقل الإمكانيات تحقيق أفضل النتائج، وإسناد العمل المناسب للشخص المناسب، وأن تكون الكفاءة المهنية هي الحاكمة في التمييز بين من يعملون معه.

القائد الإداري الحقيقي، هو من يستطيع أن يفجّر طاقات من حوله عبر توفير بيئة صحية، وتكون الأولوية فيها للجلوس في الصفوف الأولى لأصحاب البذل الأكبر، كما أن الإداري الناجح يميل دائما إلى أن يجمع من حوله المحترفين في تخصصاتهم، ولكن الضعيف والمرتجف لا يستعين إلا بمن هم أقل منه حتى لا يشعر بعجزه.

الإدارة الحقيقية لا تعني اختفاء المسؤول خلف المكتب بعيدا عن الناس، ولا يسمح لهم بالدخول إلا بعد عنت يجعلهم يكرهون القدوم إليه، فمن أحب لقاء الناس لا شك أنهم يحبون لقاءه. القيادة الحقيقية تعني احترام كل فرد في المؤسسة مهما كان دوره.

وهنا أذكر ما ذكره لي صديق، أن الموارد البشرية في إحدى المؤسسات تمد رئيس مجلس الإدارة يوميا بتاريخ ميلاد العاملين معه والمناسبات السعيدة لهم ولأولادهم، حتى يشاركهم فيها ولو بمحادثة تليفونية.

القائد الإداري الحقيقي صاحب مشروع ولديه وضوح في الرؤية وخطة محددة يسعى إلى تحقيقها، ومن وضوح رؤيته يستمد منه الآخرون طاقة للبذل عبر الفهم، أما ضبابية القيادة فهي تنعكس على من حوله، ففاقد الشيء لا يعطيه.

المسؤول الحقيقي هو الذي يستطيع التمييز بين طباع ونفسيات وحاجات الذين يتعاملون معه، فهو لا يتعامل مع آلات تعمل لتنتج دون معرفة الاحتياجات، فهناك من يسعده الثناء والكلمة الطيبة التي تمنحه مزيدا من الثقة بالنفس قبل المكافأة المادية، وهناك من هو بحاجة للتشجيع المادي قبل الثناء، وهناك من يحتاج إلى إشعاره بمكانته، وقبل هذا وذاك كيف يستطيع القائد الإداري أن يتعامل مع النفوس ليستنفر ما بداخلها من عطاء ويفجر ما لديها من طاقات.

المسؤول الناجح لا يترك المشكلة حتى تتحول إلى أزمة، ولا يتجاهل الأزمة حتى تتحول إلى كارثة، وعند مواجهة المقصرين لا يكتفي بتوقيع الجزاءات – وهو الطريق الأسهل- ولكنه يهتم قبل ذلك بمعرفة وتحليل الأسباب التي أدت إلى تلك المشكلة، وكيفية الخروج من خلال ابتكار حلول غير تقليدية.

إن الوعي بالمسؤولية الحقيقية يتمثل في كيفية الاستفادة من الأزمات والخروج منها بمكاسب، عبر تحويل المحنة إلى منحة، على غرار أن السوط الذي لا يقصم الظهر يقويه.

المسؤول الحقيقي هو من لديه القدرة على الاستماع إلى الآخرين وإعطاء كل ذي حق حقه، كما يتمتع بنفسية واسعة تعطيه القدرة على الاعتراف بخطئه إن أخطأ، والتنازل عن رأيه إذا ثبت أن هناك رأيا أصوب بغض النظر عن صاحبه، وأن تكون لديه مرونة تعديل المواقف، فإن نفعل الأشياء الصحيحة ولو متأخرين خير من أن لا نفعلها. ومن خلال تجربتي العملية في الحياة، شاركت في كثير من الاجتماعات فوجدت أن الإداري الناجح هو الذي يستمع أولا إلى آراء الغير قبل رأيه، حتى لا يجامله البعض بتبني وجهة نظره حتى لو كانت خاطئة.

القائد الإداري هو القادر على الحسم، وأن يبادر دائما إلى الفعل، لا أن تنبع سلوكياته من ردة الفعل، كما أنه يتمتع ببصيرة تستشرف فرص النجاح، وتستشعر مواطن الخطر، مما يزيد الوثوق به، إضافة إلى أسلوب واضح للتقييم أساسه الإنصاف بين العاملين، مع التصميم على تحقيق الأهداف التي يتم وضعها مهما بدت الصعاب، من خلال إثارة حماس من حوله.

لذا فإن القيادة الإدارية الناجحة، في جانب كبير منها، فن لا يجيده الجميع، رغم أن البعض قد ينجح في اكتساب بعض الصفات التي تؤهله ليكون مديرا، ولكن القليل هم من يصلون إلى درجة الإبداع الإداري؛ لانعدام القدرة.

 

المصدر : www.thiqah.com

إقرأ 6877 مرات آخر تعديل على الإثنين, 31 كانون1/ديسمبر 2012 15:06
FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed