الإثنين, 29 تشرين1/أكتوير 2012 19:54

أدب الطفل ودوره في الحفاظ على الخصوصية الثقافية للأمة

كتبه  مدنـي زيقم
قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

ليس من فضول الكلام القول إن أدب الطفل يقوم بدور مهم في توجيه الناشئة نحو الاعتناء بعناصر الشخصية الثقافية للأمة من خلال مدّ جسور تواصل تربوية معها، لتشكل فيما بعد المرجعية الفكرية والسند المعرفي لرجل المستقبل، لكنّ التساؤل الذي قد يطرح هو: هل يمكن أن يواصل أدب الطفل دوره هذا في ظل معطيات العولمة التي تسعى إلى رفع الحدود الثقافية بين الأمم لتنصهر في بوتقة موجهة وواحدة ؟ وهل ينبغي للخطاب الأدبي الموجه إلى الطفل أن يتخلص من المحمولات الفكرية ذات الخصوصية التي قد تعيق – في نظر البعض – التواصل مع الآخر والانفتاح عليه ؟

إن الطفل بحاجة إلى أن يعرف ذاته مع بداية تواصله مع المجتمع، وأدب الطفل هو الذي يوفر الخبرات الضرورية إذ يقارنها الأطفال بخبراتهم فتتضح لهم حياتهم الداخلية على ضوء علاقتهم بالآخرين ( ) كما يسمح أدب الطفل بتعرف الطفل على البيئة المادية المحيطة به، ويزوده بالمعلومات والمعارف التاريخية والجغرافية والدينية والحقائق العلمية …،

ويمكّن الطفلَ من إثراء لغته وإكسابه قدرات تعبيرية جديدة، وأدب الطفل بمختلف أشكاله يساهم بطريقة لافتة في توسيع خيال الأطفال، ويهذب وجدانهم بما يثيره من عواطف إنسانية، ويعزز الفضول العلمي وحب الاكتشاف، ويبعث في نفس الطفل حب الله والوطن.
وبقدر ما يعدّ كل هذا إبرازا لأهمية أدب الطفل، فإنه، في الوقت نفسه، كَشْفُ نقاب عن وظيفته، ولعل مدار الكلام هو عن الإطار المرجعي الذي يحدد كيفية الإفادة من هذه الوظائف …
ولأن هذا الأدب موجه – أساسا وحصريا - إلى الطفل، فإنه ينبغي مراعاة البيئة الثقافية والفكرية التي ينتمي إليها، وإلا صار الطفل مغردا خارج السرب، ولأن لكل أمة من الأمم سمات ثقافية انطبعت بها، ومصادر فكرية تنتهل منها، فطبيعي أن يكون لها إنتاج ثقافي خاص، وإضافة فكرية أصيلة، ويكون الحفاظ على هذه الخصوصية بتوارثها جيلا بعد جيل، ووسيلة هذا التوارث هي العناية بتربية النشء وفق تلك الخصوصية.
إن الدين واللغة والتاريخ هي أبرز معالم الشخصية الثقافية لأمتنا، إذ تدين بالإسلام منذ أربعة عشر قرنا وهذا الدين الذي قوامه التوحيد " نظام شامل يتناول نظاهر الحياة جميعا، فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة … كما هو عقيدة صادقة وعبادة."، وكل ما قدمته هذه الأمة للتراث الإنساني في كل المجالات إنما كان تحت ظلال هذه الحضارة الإسلامية.
وأما اللغة العربية، فقد كانت وسيلة نقل هذا التراث إلى الإنسانية، فهي لغة علم الرواية عند أهل الحديث، وهي لغة المنهج التجريبي الذي أبدع فيه جابر بن حيان، ولغة رصد الظواهر الاجتماعية والتاريخية وتحليلها عند ابن خلدون، وهي لغة سبر أغوار النفس البشرية عند ابن القيم وابن حزم، وهي أيضا لغة عنترة وزهير، وحسان وابن رواحة، وجرير والكميت، والمتنبي وأبي تمام، وابن خفاجة وأبي البقاء، وشوقي وحافظ … وهي ابتداء وانتهاء: لغة القرآن الكريم، فهذا الإرث الثقافي الكبير الذي ساهمت به أمتنا في بناء الحضارة الإنسانية في مختلف نواحيها إنما كانت لغته العربية.
وأما الخصوصية الثالثة فهي التاريخ، إذ هو الذي يحفظ لنا انتصارات الأمة وانتكاساتها وأوقات رخائها الحضاري وشدته، فيُخطط في الحاضر للمستقبل على ضوء ما قد سلف.
لكن هذه الخصوصيات يقبع أمامها تحدّ حضاري يسعى إلى خطاب ثقافي عالمي ذي رؤية أحادية في تحديد منطلقاته وأهدافه، خطاب لا يقبل السيطرة على عالم الأشياء فقط، ولا التحكم في عالم الأشخاص فحسب، إنما يريد هيمنة تامة على عالم الأفكار أيضا.
فوُضعت المسوغات الفكرية لهذا الخطاب الذي اصطلح عليه بالعولمة: فهذا يتكلم عن نهاية التاريخ وذاك عن صدام الحضارات والآخر عن الموجة الثالثة، " إن العولمة ثقافيا تسعي إلى نزعنا من هويتنا أو أن تنزع منا هويتنا وأن تنفّـق في أمتنا بضائعها الفكرية و(معلباتها) الثقافية الملوثة بالإشعاع.."( )، و هنا تكمن خطورة أدب الطفل فهو يقوم بدور توجيه الصيرورة الثقافية للأمة وتحديد مسارها الحضاري.
وإن أهمية هذا الدور لا تكمن في أشكال أدب الطفل- رغم قيمتها الفنية- بقدر ما تكمن في مضامينه إذ إن للمضمون " دورا خطيرا في عمليات بناء الأجيال الجديدة التي ستتحمل عبء تشكيل الحياة علي هذه الأرض في الغد القريب .. لأن ما يكتسبه الطفل في سنوات عمره الأولى من معلومات وعادات واتجاهات وقيم ومثل يؤثر في تكوين شخصيته وأفكاره وقيمه واتجاهاته في المستقبل يصعب تغييرها أو تعديلها فيما بعد"( ) وعلماء التربية يؤكدون أن السنوات الست الأولى هي أصل الاعتقادات والقيم والمبادئ والسلوكات….
ويقوم أدب الطفل بهذا الدور في ظل ما أفرزته وتفرزه العولمة وفق ثلاثة مستويات؛ الفرد والمجتمع والأمة.
1/ على مستوى الفرد:
* ينبغي للمضمون أن يحرص على تقديم المعلومات والحقائق العلمية والمخترعات والمكتشفات مواكبة للتطور الحاصل، وفي الوقت نفسه ينبغي أن يقدم صورة عن التراث العلمي الذي قدمته الحضارة الإسلامية للإنسانية، حتى يكون ذلك سببا لغرس شعور العزة والافتخار بالانتساب إلى هذه الحضارة، ويكون حافزا لبعث مجدها من جديد.
* على المضمون أن يحرص على تبصير الطفل بفضائل الأخلاق وتنمية حبه للخير والحق والعدل والجمال ونفوره من الصفات المذمومة وجوانب الانحراف الخلقي، ولا بأس بأن يستعان بآداب الأمم الأخرى التي تدعو إلى قيم الحق والإخاء والتعاون.
* ومن وظيفة المضمون أيضا على مستوى الفرد السعي إلى تحقيق توازن بين الرغبات المادية المشروعة وحب الإطلاع المستمر وبين الحاجيات الروحية أو ما يمكن نصطلح عليه بالتشكيل الوجداني للطفل " فليس هناك تعارض بين العلم والإيمان .. أو بين القيم الروحية الأصيلة، وبين التفكير العلمي والعقلية العلمية، فالدين يحث على التفكير والتأمل والدراسة والبحث عن الحقيقة .. ويدعو إلى طلب العلم في كل زمان ومكان وفي نفس الوقت فإن المضمون العلمي بحقائقه المذهلة يدعم الإيمان بقدرة الخالق الذي أبدع ألوان الإعجاز العلمي "( )
2/ على مستوى المجتمع:
* لا مناص من أن يحرص المضمون على تعريف الطفل بمقومات مجتمعه ومؤسساته، وما يجب أن يسود فيه من قيم وأخلاق اجتماعية، وهناك ينبغي التنبيه على الحذر من التقاليد البالية المحلية، والأفكار الغربية الوافدة على حد سواء.
* الإسلام من عقيدة وشعائر وشرائع معاملات هي الإطار الفكري لأدب الطفل إذ " لا يستمد مضمونه من قيم اجتماعية مريضة أفرزتها تجارب معتلة تؤثر فيها النزوات والأحقاد والأهواء، وإنما يستلهم .. مضمونه من عقيدة التوحيد " ( ).
* ينبغي أن تصحح صورة المرأة التي شوهتها بعض الآداب فـ" القصص التي تتناول الأنثى وتجعل منها غادرة أو خائنة أو متمردة، لا تقدم الصورة الصادقة لواقع الإسلام وحياة المجتمع المسلم، مع تسليمنا بأن المجتمع فيه الشرير والخيّر وفيه الصالح والطالح " ( ) ومن ثم على المضمون أن يحتفي بـ:
- المرأة نبع الحنان ومصدر الحب.
- المرأة الصالحة هي القدوة زوجة أو ابنة أو أختا أو أمّا.
- طاعة الأم من طاعة الله.
- التعفف في العلاقات العامة.
- المرأة ليست هدفا أو لذة يتنافس حولها الفرسان والأبطال والأمراء والملوك بكل الحماقات والمظالم ( ) .
3/ على مستوى الأمة:
* مضمون أدب الطفل مسؤول عن الحفاظ على لغة الأمة بل والمساهمة في ترقيتها "فاللغة وعاء الفكر والعلم والتربية والتعليم والتراث والقيم والتاريخ .. ومن أهم أدوات تثقيف الطفل وتشكيله وتغييره وإثارة عملياته التفكيرية، فالأمة التي لا تتعلم بلغتها ولا تعلّم لغتها أمة معرّضة للذوبان في ثقافة " الآخر"، أمة مشلولة التفكير مهيأة لقبول عقل الآخر والتشكل بثقافته والتعبير بلسانه " ( ) فعلى مضمون أدب الطفل العمل على غرس حب اللغة العربية والإفادة من التجديد في طرائق تعليمها.
* التركيز على بعث مشاعر وحدة الأمة باعتبار أنها خلاص ضروري لها، من خلال أدلة من واقع التاريخ الإسلامي باستحضار صور مشرقة لنماذج معبرة عن هذه الوحدة من حكام وعلماء وقادة.
* الاهتمام بالحضور الجغرافي للعالم الإسلامي بالتعريف بدوله وثرواته.
* الاعتناء بكبريات قضايا الأمة مثل الاحتلال الصهيوني لفلسطين.
* الحذر من النظريات والأفكار المشبوهة الوافدة من مثل نظرية النشوء والتطور، وقضايا حرية المرأة المبالغ فيها، ومغامرات اللصوص وقطاع الطرق، والإسراف في قصص القوى الخارقة ..
إننا لا ندعو إلى الانكفاء على الذات فهذا ضرب من ضروب الاستلاب التراثي، وإننا في الوقت نفسه لا ندعو إلى الانفتاح المنبهر على " الآخر" فهذا ضرب من ضروب الاستلاب الحضاري، نحن نسعى إلى أدب طفل يتشكل بـ" التعبير الأدبي الجميل المؤثر الصادق في إيحاءاته ودلالاته، والذي يستلهم قيم الإسلام ومبادئه وعقيدته، ويجعل منها أساسا لبناء كيان الطفل عقليا ونفسيا ووجدانيا وسلوكيا وبدنيا، ويساهم في تنمية مداركه وإطلاق مواهبه الفطرية، وقدراته المختلفة وفق الأصول التربوية …" ( ) ذات الخصوصية.
قال الشاعر :
هـذا نمـل ما أصغـره
يمشي هونا ما أصبـره
من علمـه هذا الصبرا
من أسكنـه هذا الوكـرا
من علمـه نقل الحَـبّ
من بيدرنـا وعلى الدرب
الله تعـالى عـلّمــه
الله تعـالى ألـهمــه ( )

الهوامش:
- عبد الفتاح أبو معال، أدب الطفل:دراسة وتطبيق دار الشروق، ط2، عمان – الأردن، 2000، ص:19.
- يوسف القرضاوي: المسلمون والعولمة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، ط1، مصر، 2000، ص: 46.
- أحمد نجيب: المضمون في كتب الأطفال، دار الفكر العربي، بيروت، 1979، ص:45.
- المرجع نفسه، ص: 78.
- نجيب الكيلاني: أدب الأطفال في ضوء الإسلام، مؤسسة الإسراء، قسنطينة، الجزائر، ط2، 1991، ص:10.
- المرجع نفسه، ص: 160.
- المرجع نفسه، ص: 161 وما بعدها.
- عمر عبيد حسنة، مقالات في التفكير المقصدي، المكتب الإسلامي، عمان، ط1، 1999، ص: 66.
- نجيب الكيلاني، أدب الأطفال في الإسلام، ص: 111.
- مجلة الأدب الإسلامي: مقال الالتزام في أعمال يحي الحاج يحي، أحمد شبلول، العدد 21، السعودية، ص

 

إقرأ 1672 مرات آخر تعديل على الإثنين, 01 شباط/فبراير 2016 19:16
FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed