الخميس, 01 تشرين2/نوفمبر 2012 22:59

التدريب على الإبداع في مؤسسة التخيل البعيد

كتبه 
قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

 

مؤسسة التخيل البعيد (Destination Imagination) هي مؤسسة أمريكية تقدم برامج تعليمية وتدريبية موجهة لتنمية الإبداع، تأسست عام 1999، وبرامجها في الوقت الحالي من أكثر البرامج توسعاً وانتشاراً في الولايات المتحدة وخارجها.

 

والبرامج والتطبيقات التيي تقدمها هذه المؤسسسة مبنية على نظرية الحل الإبداعي للمشكلات، وبالتحديد على تصور دونالد تريفنغر (Donald Treffinger) عن هذه العملية، ويعتبر نموذج تريفنغر عن الحل الإبداعي للمشكلات أحد النماذج المعبرة بوضوح عن المرحلة الحالية من تطور النظرة للإبداع، التي تزايدت فيها أهمية القدرة على توليد البدائل وتفحصها في العملية الإبداعية عموماً، وفي عمليات حل المشكلة خصوصاً.

إن القدرة التوليدية (Generativity) والقدرة على اختيار البديل المناسب قدرتان ظاهرتان بوضوح في البرامج المبنية على تفكير التخيل البعيد، ويركز في أهداف ومحتوى هذه البرامج على تشجيع التفكير الإبداعي والتفكير الناقد معاً، وفي إدارة جلسات ومواقف التدريب في هذه البرامج يترك الباب مفتوحاً لتقديم حلول جديدة للمشكلة بشكل دائم تقريباً.

وهذا التركيز في الجانب العملي على القدرة التوليدية والقدرة على اختبار البدائل هو استجابة وانعكاس للدلائل التي أكدت قوة الاتجاهات النظرية التي تعتبر هذه القدرات هي السمة المميزة للمعرفة الإنسانية الفاعلة في النتاجات الإبداعية، ولعل أفضل تعبير عن هذه الاتجاهات هو منحى "المعرفة الإبداعية" الذي ينطلق من اعتبار المقدرة على الإبداع "خاصية جوهرية للمعرفة الإنسانية في صورتها المعيارية"، والقدرة التوليدية هي الجانب البارز من الوظيفة المعرفية الإنسانية، والإنسان يستخدم هذه القدرة في عمليات معرفية إبداعية راقية، كما يستخدمها في معالجاته المعرفية في حياته اليومية، ويؤكد هذا المنحى بناء على ذلك أن الفروق بين الأفراد في القدرة التوليدية، وبالتالي في المقدرة الإبداعية العامة، ليست فروقاً ناتجة عن أداء عمليات معرفية مختلفة، إنما بسبب عوامل تضعف أو تقوي العمليات والمعالجات المعرفية الاعتيادية التي يمارسها الإنسان في تفاعله مع بيئته، وتنمو مع استمرار هذا التفاعل.

إن تعريف الإبداع الذي تعتمده برامج التخيل البعيد يؤكد على الانسجام أو التوازن بين الإبداع والتفكير الناقد، والأهمية المشتركة لكليهما في الحل الناجع للمشكلات واتخاذ القرارات. ويعتبر في هذه البرامج أن من مستلزمات التفكير الإبداعي القدرة على فتح الثغرات في حالات المواجهة (encountering gaps) والتعامل مع مواقف التناقض الظاهري (paradoxes) ، ووجود الفرص والتحديات أو مثيرات الاهتمام (concerns)، ثم البحث عن روابط جديدة من خلال توليد احتمالات توصف بأنها كثيرة ومتباعدة (تنطلق من منطلقات مختلفة)، وغير معتادة أو أصيلة.

وتقوم برامج التخيل البعيد على فكرة أن هناك أكثر من طريقة واحدة لحل المشكلة، وتصف المؤسسة نفسها بأنها " المكان الذي يأخذ فيه الأطفال ما يعرفونه وما هم متفوقون فيه ويتعلمون كيف يطبقونه ليعالجوا التحديات التي تواجههم، ويعملون معاً متعاونين في فريق كي يزيلوا المعيقات التي تحد خيالهم، وهذا ليس من أجل أن يتفوقوا على منافسيهم، إنما أن يتفوقوا على أنفسهم".

أما نوعية المشكلات والمسائل التي تعرض على المشاركين لوضع حلول لها فهي تختلف باختلاف فئة البرنامج ومستوى المشاركين، لكن يمكن أن نذكر هنا بعض الأمثلة عليها، فمن المهمات التي تطلب من المشاركين:

-         قياس كتلة سيارة واقفة في الطريق.

-         تأليف قصة مشابهة لقصة (أليس في بلاد العجائب).

-         صناعة آلة تطفو على الماء من بعض المواد، وبين هذه المواد الإسفنج.

-         إعداد نشرة أخبار خيالية.

 

إن هذه البرامج موضوعة أصلاً لتنمية الإبداع، ولذلك تلائم الطلبة الموهوبين والمتفوقين، لكنها تراعي أن يكون العمل أثناء تطبيق البرامج عملاً جماعياً، وهي بذلك تعالج حالات الطلبة الموهوببن الذين ربما ينعزلون أحياناً على أنفسهم مع ذكائهم الخاص، فيفقدون الاتصال بغيرهم. ويركز في هذه البرامج بالتوازي مع قدرات العمل في فريق على إعطاء قيمة لمقدار التفاصيل المعروضة في النتاج الإبداعي.

وترمي برامج التخيل البعيد من بين غاياتها إلى جعل المشاركين يتعرفون على خصائصهم المرتبطة بالإبداع وينضجونها، هذا بالإضافة إلى تمكينهم من تطبيقها في التوصل لنتاج إبداعي.

وهذه الخصائص جعلت محتوى هذه البرامج يمثل بالنسبة للمتدربين تحدياً متعدداً، فعلى المتدرب أن يواجه الاندماج في المشكلة ووضع حلولها، وتحدي إنضاج الحل الذي يتم اختياره وتجريبه وعرض تفاصيله، ليس مجرد معرفة فكرته، بالإضافة لتحدي أداء هذه المهمات وإتمامها ضمن جو الفريق الذي يتضمن الاحتكاك بين الأفراد المختلفين في قدراتهم وأساليبهم.

والظروف التي تلاحظ في مواقف التخيل البعيد وتصمم من خلالها الدروس ويتم التقويم بناء عليها هي:

· شعور المشارك بأن الموقف يتحداه ويتصل به.

· الحرية المتاحة للتفكير المستقل للمشارك.

· الثقة والانفتاح في العلاقات بين أفراد الفريق وقائدهم.

· الوقت المتاح للمشارك لاستخدام فكرته الجديدة وفحصها.

· العفوية والراحة والتلقائية المتاحة للمشارك.

· انخفاض مقدار وحدة الصراعات والتوتر بين أعضاء الفريق.

· دعم وتقدير الأفكار الجديدة من خلال تقبلها وتطبيقها.

· المناقشات عند مقابلة التباعد في وجهات النظر.

· المخاطرة التي يمكن أن يقوم بها المشـارك عنـدما يعـرض فكـرته الـغريـبة.

 

لقد قدمت مؤسسة التخيل البعيد عدداً كبيراً من البرامج لفئات مختلفة، فمنها ما هو مخصص لطلبة الروضة الصغار (Rising Stars)، ومنها ما هو مخصص للراشدين (DI Later)، ومنها ما هو مخصص للمعلمين والمؤسسات التعليمية (Models School Programs)، كما قدمت أيضاً برامج لأنشطة شبابية وعائلية. ويكن أن نعتبرها في الوقت الحالي مصدراً لكثير من البرامج الجاهزة الملائمة لتنمية الإبداع، أو لأفكار لهذه البرامج، وتستحق أن يستفاد منها في تطويير البرامج التعليمية والتدريبية القائمة في دولنا ومجتمعاتنا العربية، مع تذكرنا أن نجاح أي تجديد في المناهج والبرامج التعليمية والتدريبية متوقف على تقيمه الموضوعي في البيئة التي يطبق فيها.

 

إقرأ 9439 مرات آخر تعديل على الأحد, 04 تشرين2/نوفمبر 2012 23:20
د. عامر الغضبان

  • متخصص في علم النفس التربوي
  • باحث في الفكر الإسلامي وواقع المجتمع العربي
  • مرشد تربوي
  • شارك في تحقيق عدة كتب منها مسند الإمام أحمد، شرح مشكل الآثار للإمام الطحاوي، تهذيب الأسماء واللغات للإمام النووي، الصحيح الجامع (صحيح البخاري)، هدي الساري (مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني) من نشر مؤسسة الرسالة العالمية
  • محرر قسم نفساني (Nafsani.com) في بوابة الخيمة العربية

FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed