المقالات

طباعة

حيرة مريض نفسى بين الطب والغيب

Posted in المجتمع

فإذا جاءت الأديان كلها وحدثتنا عن عوالم الجن والملائكة والعرش والكرسى والجنة والنار فلا يليق أن ننفى وجود هذه الأشياء لمجرد أننا لانستطيع إدراكها ، فهناك أشياء شاءت إرادة الله أن ندركها وننتفع بها ، وأشياء أخرى حجبت عن إدراكنا لحكمة يعلمها الله . يقول تعالى :

" وعنده مفاتح الغيب لايعلمها إلاهو ويعلم مافى البر والبحر . وماتسقط من ورقة إلايعلمها ولاحبة فى ظلمات الأرض ولارطب ولايابس إلا فى كتاب مبين " ( الأنعام 59 ) .

إذن هناك قوى خير ممثلة فى الملائكة لها تأثير فى حياتنا على الرغم من عدم إدراكنا إياها ، وقوى شر ممثلة فى الشياطين وهم مردة الجن ، وهناك سورة كاملة فى القرآن الكريم عن الجن تبين طبيعة خلقهم ووظيفتهم والقوانين التى تحكمهم ، ومن ضمن هذه القوانين أنهم يروننا ولانراهم " إنه يراكم هو وقبيله من حيث لاترونهم " ( الأعراف 27 ) ، إضافة الى قدرتهم الهائلة على الحركة والتأثير التى تفوق قدرة الإنسان ، ومن هنا جاء خوف الإنسان من هذه القوة الخفية التى يمكنها أن تؤثر فيه أو عليه ( بدافع منها أو بتوجيه من شرار الإنس ) دون أن يراها أو يملك وسيلة لدفعها ، هذا الخوف أحاط موضوع الجن بالكثير من الحكايات والأساطير . وقد ااستغل الدجالون والمشعوذون هذا الخوف ولعبوا عليه وضخموه فى عقول العامة ، وأقاموا على أساسه ركاما هائلا من المعتقدات والممارسات الأسطورية والسحرية جعلت لهم سلطانا على عقول وقلوب الدهماء خاصة فى المجتمعات المتخلفة . ولكى يستمر سلطانهم وسيطرتهم فهم يحيطون أفكارهم وممارساتهم ببعض التصورات شبه الدينية لكى يحتموا بها ويزيد تأثيرهم فى الناس . وللأسف الشديد لم يعد تأثيرهم يقتصر على العامة كما تعودنا ، وإنما استطاعوا ببراعتهم وخداعهم واستخدامهم للرموز الدينية أن يغزوا عقول المتعلمين والمثقفين فأصبح من روادهم عدد لابأس به من حملة الدكتوراه وبعض أصحاب الرأى والفكر .

وعلى الجانب الآخر فقد أدت الاكتشافات الطبية الكبيرة فى مجال الأمراض النفسية إلى الاعتقاد بأن كل شىء أصبح واضحاً وأن ما كان يعتقده الأولون من حالات تأثير للجن أصبحت الآن مفهومة من خلال عمليات اللاشعور التى تقوم بوظيفة دفاعية لمصلحة توازن المريض وأكثر هذه الحالات إثارة للجدل هى حالات الهستيريا وهى الحالات المسئولة عن هذا التشوش فهى التى استغلها المعالجون الشعبيون لإثبات صحة عملهم وفاعليته وهذه الحالات تصيب الشخصيات غير الناضجة انفعاليا والقابلة للإيحاء فى نفس الوقت فيحدث أنه فى مواجهة ضغوط معينة كعدم قدرة الطالب أو عدم رغبته فى إكمال الدراسة أو عدم تكيف زوجة فى زواجها أن يحدث انشقاق فى مستوى الوعى فتحدث حالات الإغماء أو الصرع الهستيرى أو يتصرف الشخص كأنه شخص آخر ليعبر عما لايستطع التعبير عنه فى حالاته العادية وأحيانا يتغير صوته ويأتى بأفعال تثير خيالات العامة وتأويلاتهم ودهشتهم فيلجأون إلى بعض المعالجين الشعبيين حيث يقومون ببعض الإيحاءات للمريض أو إيلامه بالضرب إذا لزم الأمر فيفيق من هذا الإنشقاق الهروبى بسرعة تبهر العامة وتزيد ثقتهم بهذا المعالج ، ولكن الأعراض ما تلبث أن تعود عند أول ضغط نفسى أو اجتماعى لأن المعالج لم يبحث عن الأسباب وإنما عالج العرض الموجود فقط فى جو من الغموض ، بل ويحدث أن يتمادى المريض فى أعراضه ويطورها بعد ما سمع ورأى من إيحاءات عن تلبس الجن له وتزداد الأمور تعقيداً وهنا يعود أهل المريض إلى المعالج الذى يبتزهم تحت وهم تأثير الجن .

FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed