الإثنين, 26 تشرين2/نوفمبر 2012 19:51

التقمص عند المراهق

كتبه 
قييم هذا الموضوع
(6 أصوات)

 من الظواهر الملاحظة في مرحلة المراهقة ظاهرة التقمص، أي قيام المراهق بتقليد شخصيات أخرى محددة بشكل شامل وتفصيلي لمعالمها التي يدركها، وحرصه على أن يبدو مشابهاً لهذه الشخصيات في مظهره وحركاته وسلوكه.

 

قد يتقمص المراهق شخصية نجم يقدمه الإعلام، أو شخصية راشد يعرفه في بيئته، أو بعض ما يعرفه عن شخصيات غائبة عن محيطه، مثل تقمص فتاة مراهقة لشخصية كليوباترا كما تتخيلها، وقد يتقمص معالم شخصيات تقدمها بعض الثقافات مثل المراهق الذي يرتدي ملابس الشباب المتدين، ويقلد سلوكهم، أو بالمقابل المراهق الذي يرتدي آخر صيحات الموضة في الغرب، ويتصرف كما يرى المراهقين يتصرفون في الأعمال الفنية والأفلام الغربية.

التقمص إذن قد يكون لشخصية محددة أو لمعالم عامة للشخصية تحددها ثقافات أو تقاليد معينة. لكننا نركز في هذا المقال على تقمص الشخصيات المحددة المعروفة، فهل هذا التقمص مشكلة يجب معالجتها؟

ليس سلوك التقمص مشكلة في كل الحالات، لكنه قد يعبر عن مشكلة أو يؤدي إلى مشكلة في أمثال الحالات الآتية:

 

-         عندما يتقمص المراهق شخصية معادية للقيم الإنسانية والاجتماعية، مثل شخصيات بعض المجرمين.

-         عندما ينشغل المراهق بتغيير مظهره وإظهار سلوكه ليكون مثل هذه الشخصية، إلى درجة يلاحظ فيها ضعف مهارات إدارته لذاته، وتراجع علاقاته الشخصية، وغياب تأثيره في محيطه الاجتماعي القريب.

-         عندما تكون الشخصية التي تقمصها بعيدة كثيراً عن واقعه، ويعبر اختيارها عن شعوره بنقص شخصيته، أو سخطه على واقعه ومجتمعه، مثل تقليد المراهق الفقير لتصرفات أصحاب الملايين.

-         عندما ييترافق مع التقمص عجز المراهق عن تحديد معالم تميز شخصيه هو، أي عندما يجهل نفسه، وبالتالي تغيب إرادته لتطوير نفسه وتنمية قدراته.

-         عندما يركز المراهق على تمثل المظاهر الخارجية للشخصية التي تجذبه، ولا يتمكن من ربط هذه المعالم بقيم أو مبادئ عامة تضبط السلوك.

-         عندما يتنقل المراهق من شخصية إلى أخرى لفترات طويلة، ولا يلاحظ أنه تمكن من تطوير خبراته عن حياته، وتحديد بعض معالم تميز شخصيته، وتنمية معايير ثابتة تحكم اختياراته.

وهذه الحالات – مع أنها تبدو كثيرة – ليست كل الحالات التي يقوم فيها المراهق بالتقمص، فهناك حالات أخرى يمكن أن يرتبط التقمص فيها بسلوك إيجابي ونمو سوي، منها:

-         عندما يؤدي التقمص إلى نمو خلقي واجتماعي سوي، أي إلى تمثل المراهق لقيم اجتماعية محددة، ونجاحه في التفاعل الإيجابي مع محيطه الاجتماعي.

-         عندما تكون الشخصية التي اختارها هي شخصية بطل يمجده المجتمع، أو يجمع معالم مثل أعلى، أو يمثل مستوى عالياً في الإنجاز والتفوق.

-         عندما يختار المراهق نموذجه بعد معالجات ذهنية وتفكير كاف ومقارنة بين نماذج متعددة، أي عندما يكون اختاره قراراً مدروساً.

-         عندما تؤدي عمليات التقمص إلى تحديد المراهق لغايات وأهداف واضحة يضعا لحياته ومستقبله.

-         عندما يتمكن المراهق من تبرير سلوكه والاستدلال على صحة اختياره بمنطق سليم.

-         عندما يميز المراهق في الشخصية التي تقمصها بعض السلبيات، أو نقاط الضعف، ويحاول التركيز على نقاط القوة والمهارات الإيجابية، مثلاً عندما ينتبه المعجب بلاعب كرة عالمي أن لهذا اللاعب أخطاء في جوانب حياته الأخرى غير الجانب الرياضي.

وبشكل عام، يمكن أن يكون التقمص سبباً في فهم المراهق لنفسه وتنمية مفهومه عن ذاته وتقبله وتقديره لها، بل قد يؤدي إلى دفعه للتفوق في مجالات مفيدة لنفسه ومجتمعه، وهذا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتعامل الآخرين معه وردود أفعالهم على سلوكه، وبالأخص في أسرته، ومن والديه.

 

ماذا يفعل الآباء والأمهات:

 لعل أبرز نماذج الخلل في تعامل الوالدين مع التقمص عند المراهقين هو غياب التوجيه والشعور بالرضا عندما يرون أبناءهم المراهقين يتقصون شخصياتهم، عندما يفرح الأب لرؤيته ابنه يلبس مثل ملابسه، ويتكلم بطريقته، ويكرر أقواله دون بحث أو نقاش، وعندما تفتخر الأم بابنتها التي تتمنى فقط أن تشابهها في مظهرها وتعاملها مع الآخرين وإدارتها لحياتها. والمقصود عندما يقرر الوالدان بسبب هذا النوع من التقمص أن الابن المراهق هو ابن مثالي، يؤدي سلوكاً ناضجاً، وينتظره مستقبل مشرق، وهو لا يحتاج لمزيد من التربية أو التوجيه، ولا الملاحظة أو المتابعة، فكل شيء على ما يرام.

أما المعالجة الأفضل لسلوك التقمص عند المراهق فهي ترتبط بمهارات الوالدية الإيجابية التي نعرفها جميعاً حول التعامل مع الراهقين، مثل المتابعة الفعالة لنموهم وسلوكهم، وتنمية استقلاليتهم، وبناء علاقات مثمرة معهم، واستخدام الحوار في التواصل معهم، وتفهم مشاعرهم، وتقبل شخصياتهم، وبناء الجو الدافئ في الأسرة ... لكننا سنركز على بعض المبادئ الخاصة التي قد تكون أكثر أهمية في جعل ظاهرة التقمص خطوة نحو التميز، بدل أن تكون مظهراً لضعف الشخصية وتعثر نموها السوي، فمن هذه المبادئ:

-         الوالد الواعي يلاحظ الآثار المباشرة لتوجيهاته القولية، بل يسعى لمعرفة آثارها غير المباشرة، من خلال تعرفه على فهم الابن لها، وارتباط ذلك بكيفية تطبيقها. وهذا بخلاف الوالد الذي يكرر توجيهات يسمعها لنفسه فقط.

-         التوجيهات التي تقدم للمراهق على شكل أوامر غير قابلة للنقاش وغير معروفة الأسباب لا ترسخ القيم الخلقية، وقد ينفذها المراهق لتمرير الموقف فقط، وقد يختار عصيانها ليعبر عن تمرده على السلطة.

-         الوالد الصالح يقدم لأبنائه قدوة تستحق أن يتمثلها الأبناء، وإن لم يستطع فإنه يسعى لتعريفهم بالمثل الأعلى الذي عليهم أن يتخذوه، ويوجههم للبيئة التي يمكنهم أن يتفاعلوا فيها مع هذا المثل الأعلى.

-         عندما يلاحظ الوالد سلوك التقمص عند الابن المراهق، فليست الخطوة الأولى لتوجيهه هي منعه من هذا السلوك.

 

 

 

إقرأ 8274 مرات آخر تعديل على الجمعة, 30 تشرين2/نوفمبر 2012 22:39
د. عامر الغضبان

  • متخصص في علم النفس التربوي
  • باحث في الفكر الإسلامي وواقع المجتمع العربي
  • مرشد تربوي
  • شارك في تحقيق عدة كتب منها مسند الإمام أحمد، شرح مشكل الآثار للإمام الطحاوي، تهذيب الأسماء واللغات للإمام النووي، الصحيح الجامع (صحيح البخاري)، هدي الساري (مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني) من نشر مؤسسة الرسالة العالمية
  • محرر قسم نفساني (Nafsani.com) في بوابة الخيمة العربية

FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed