الأربعاء, 25 نيسان/أبريل 2012 18:15

لبن الكفيرKefir المخمر: بين الفوائد الصحية والشبهات الفقهية

كتبه  د."معز الإسلام " فارس
قييم هذا الموضوع
(14 أصوات)

kefeirلبن الكفير Kefir هو أحد منتجات الألبان الشهيرة، والتي أخذت بالانتشار في المنطقة العربية مؤخراً وأصبح تداولها في الأردن أمراً شائعاً يزداد يوماً بعد يوم بين عديد من الناس. ويرجع استهلاك هذا المنتج من الحليب المخمر إلى قديم الزمن وخاصة في أوروبا، لذا فقد انصب اهتمام العلماء والباحثين هناك على دراسة مكوناته وخصائصه، وعكفوا على اختبار تأثيراته الحيوية والصحية.

 

وفي هذا المقال استعراض للجوانب التصنيعية والغذائية والصحية لهذا المنتج حسبما أبانتها الأبحاث العلمية، وفيه تعريج على الجانب الشرعي في التعاطي مع هذا المنتج، نظراً لما يتصل به من جوانب فقهية ترتبط بإمكانية إنتاج الكحول الإيثيلي (الإيثانول) في هذا المنتج من الحليب المخمر.

نبذة تاريخية

ويرجع تاريخ استخدام هذا المنتج إلى القرن الثامن عشر الميلادي، وقد ابتدأ إنتاجه في بلاد القوقاز في غرب آسيا وشرق أوروبا وانتشر منها إلى العديد من بلدان العالم، وانتقلت خبرة إنتاجه من جيل إلى جيل. وترجع كلمة "كفير Kefir" إلى اللغة التركية، وتعني ذلك الشيء الذي يعطي شعوراً إيجابياً بعد تناوله.وقد كان الكفير يعد في عرف القوقازيين  المسلمين "هدية الله" نظراً لما له من أهمية في غذائهم ولما كان يعتقد فيه من فوائد صحية وعلاجية كثيرة.



 تحضير الكفير

    لعل ما يميز لبن الكفير عن غيره من أنواع الألبان المخمرة كاللبن الرائب إنتاجه بوساطة نوعين من الأحياء الدقيقة هما البكتيريا والفطريات، في حين يعتمد إنتاج اللبن الرائب التقليدي عندنا على نوع واحد من الأحياء الدقيقة فقط، وهي بكتيريا حمض اللبن Lactic acid bacteria (LAB) بسلالاتها المتعددة. ويتم تحضير الكفير من خلال إضافة حبيبات الكفير kefir gains  إلى الحليب . وهذه الحبيبات عبارة عن مزيج من أنواع من البكتيريا والفطريات تعيش معاً معيشة تشاركية Symbiotic، وهي المعيشة التي يستفيد فيها كل نوع من الأحياء الدقيقة من الآخر ويعتاش على مخلفاته الأيضية ومنتجاته الحيوية. وتمتزج البكتيريا والفطريات مع بعضها بعضاً في مادة حاملة عديدة التسكر، ويطلق على الثلاثة (البكتيريا والفطريات والمادة السكرية الحاملة لهما) مجتمعة اسم الكفيران Kefiran. وحبيبات الكفيران هي كتل حيوية بيضاء اللون ذات قوام ناعم وجيلاتيني مطاط، وتتكون من بروتينات ودهون وسكريات ، تغلف بداخلها جسيمات البكتيريا والفطريات المشتركة. وتعمل هذه الحبيبات عمل البادئة البكتيرية (الروبة) في اللبن الرائب، بحيث تقوم هذه الحبيبات بعملية تخمير سكر الحليب بعد إضافتها إليه وتركها لمدة تتراوح بين 18-24 ساعة على درجة حرارة الغرفة. وتعد بكتيريا الكفير العصوية Lactobacillus kefiranfaciens وفطر خميرة البيرة Saccharomyces serevisiae الأنواع الأكثر أهمية والأكثر تواجداً وانتشاراً من بين أنواع الأحياء الدقيقة في حبيبات الكفير. وقدا أمكن عزل وتحديد عدد من  أنواع البكتيريا والفطريات الأخرى الخاصة بحبيبات الكفيران، مثل Lactobacillus kefiri, L.kefirgranum, L.parakefir, Candida kefyr and Sachharomyces turicensis .

    أشارت الدراسات الميكروبيولوجية إلى تواجد أنواع متعددة وكثيرة من بكتيريا حمض اللبن وغيرها من أنواع البكتيريا وكذلك الفطريات التي تم عزلها من لبن الكفير المخمر، الأمر الذي يشير إلى حصول تباين في المحتوى الميكروبي تبعاً لظروف وعوامل عدة تتعلق بظروف وطرائق تحضير هذا المنتج، مثل: نوع الحليب المستخدم، والمدة الزمنية لحضن البادئة الميكروبية مع الحليب، وكذلك درجات الحرارة المحيطة بظروف التصنيع، والعادات المتبعة في تحضير الكفير لدى المجتمعات المختلفة.


     التأثيرات الصحية والحيوية للبن الكفير المخمَّر

     التأثير المضاد للأحياء الدقيقة وخاصة البكتيريا

    أشارت دراسات عدد من الباحثين إلى أن التناول المنتظم للبن الرائب يسهم في المحافظة على صحة الجسم ودرء خطر عدد من الأمراض عنه. ونظراً لما للكفير من محتوىً عالٍ من تلك الأحياء الدقيقة، فقد أظهرت الدراسات قدرتها على مقاومة أنواع الأحياء الدقيقة الممرضة والضارة مثل بكتيريا السالمونيلا Salmonella والشيجيلا Shigella والإشيريشة القولونية Escherichia coli  والحلزونية الباية Helicobacter pylori وليستيريا Listeria monocytogens والفطر كانديدا ألبيكانس Candida albicans. وأظهرت إحدى الدراسات القدرة الفائقة لميكروبات لبن الكفير على قتل البكتيريا المعوية الممرضة المسببة للالتهابات المعوية Salmonella entridis بشكل كامل بعد حضنها في مشروب الكفير على درجات الحرارة 4 و 22 درجة مئوية لمدة 24 و 18 ساعة، على التوالي، مما يشير إلى قدرة فائقة لميكروبات الكفير على قتل البكتيريا الضارة من هذا النوع على درجة حراة الغرفة والثلاجة على حدٍ سواء.

     صحة الجهاز الهضمي

    تنبع أهمية منتج الكفير ودوره في المحافظة على صحة الجهاز الهضمي لأنه يعد مصدراً مميزاً للبكتيريا الحيوية Probiotics ، التي تعرف على أنها تلك البكتيريا القادرة على البقاء حية خلال عبورها في القناة الهضمية ومقاومة العوامل القاتلة للبكتيريا فيها كالحموضة العالية، وكذلك قدرتها على القيام بوظائف حيوية وفسيولوجية نافعة للصحة مثل مقاومة البكتيريا الضارة في القولون ومنع توطنها فيه، وتحفيز الجهاز المناعي ضدها وتغيير حموضة القولون لمنع نمو وتوطن البكتيريا الضارة. كما تفيد تلك البكتريا الحيوية في التقليل من حدة حالة عدم تحمل اللاكتوز لدى المصابين بها من خلال قدرتها على إفراز إنزيم اللاكتيز الهاضم لسكر اللاكتوز المسبب للحالة.


     التأثير المناعي والمقاوم للسرطان

    أظهرت نتائج الدراسات المخبرية على حيوانات التجارب وفي أنابيب الاختبار، قدرة منتج الكفير على تحفيز المناعة وزيادة محتوى الدم من البروتينات المناعية نوع IgA. وأظهرت دراسات أخرى قدرة الكفير على مقاومة عملية التسرطن في خلايا سرطان الرئة وسرطان الجلد المزروعة في فئران التجارب، في حين  أظهرت نتائج دراسة أخرى قدرة الكفير على الحد من نمو خلايا سرطان القولون. وتفيد دراسات سرطان الجلد أن للكفير القدرة على الحد من التأثير المسرطن للأشعة فوق البنفسجية المسببة لسرطان الجلد.

     التأثير المخفض للكولسترول

    أبانت نتائج إحدى الدراسات على حيوانات التجارب أن تناول الكفير مصحوباً بوجبة غذائية عالية الكولسترول؛ قد أدى إلى انخفاض ملموس في محتوى الدم من الدهون والليبيدات الدهنية الكلية بالمقارنة مع مجموعة المراقبة، في حين لم تتغير قيم الكولسترول عالي الكثافة والدهون ثلاثية الجليسيريدات في أجسام تلك الحيوانات. وعند اختبار تناول الكفير لمدة أربعة أسابيع على ثلاثة عشر مريضاً من مرضى ارتفاع كولسترول الدم، أظهرت النتائج أن منتج الكفير لم يسهم في الحد من ارتفاع الكولسترول وأي من مكونات دهون الدم ، وقد عزى الباحثون غياب التأثير الإيجابي للكفير إلى تدنى عدد الخلايا الميكروبية في وحدة الحجم لشراب الكفير الذي تم استخدامه في الدراسة.

    وإلى جانب التاثيرات الصحية المختلفة لمنتج الكفير، فإن احتواءه على العناصر الغذائية الكبرى مثل البروتينات عالية الجودة والدهون الصحية من نوع الاسفنجوليبيدات، والصغرى كالفيتامينات، وأهمها الرايبوفلافين، والمعادن، وأهمها الكالسيوم والفوسفور؛ تجعل منه غذاءً صحياً شبيهاً بمثيلاته من الحليب الطازج واللبن الرائب (جدول 1)


    وعلى الرغم من الفوائد الصحية الكثيرة والمتعددة لهذا المنتج الحيوي، فإنه من الضروري التوقف عند جانب مهم من الجوانب الحيوية له، وهو مايتعلق بإنتاج الكحول الإيثيلي (الإيثانول) فيه. فمن الثابت علمياً أن منتج الكفير يمتاز عن غيره من منتجات الحليب المخمر بقدرته العالية على إنتاج كميات متباينة من ذاك الكحول بسبب وجود خميرة البيرة التي تعتاش مع بكتيريا اللبن معيشة تكافلية فيه، وهو ما ينبني عليه النظر إليه من الناحية الفقهية. فمن المعلوم من الدين أن الشارع الحكيم قد حرم كل ما يسبب السُّكْر ويذهب العقل، انطلاقاً من الحديث الصحيح  للنبي -صلى الله عليه وسلم-:"ما أسكر كثيره فقليله حرام"، مع ما في تفسير هذا الحديث من خلاف في الحد المسببب للسُّكر. وقد قرر علماء الصحة أن أي مشروب أو منتج يتجاوز محتوى الكحول الإيثيلي فيه عن 5 ملليتر لكل 1000 ملليلتر (أي نسبة 0.5%) يعد مشروباً  كحولياً، نظراً لما قد يترتب على تناول تلك الكمية من تراكم للكحول في الدم والتسبب في حالة السُّكر والقدرة على التأثير على قدرات الدماغ العقلية ووظائفه الفسيولوجية في حال الإكثار من ذاك المشروب، في حين تتضاءل احتمالية التراكم أو تكاد تنعدم عندما تقل كمية الكحول عن تلك النسبة المقررة مهما بلغت كمية الشرب، بسبب قدرة الكبد والدماغ على التخلص من آثار الكحول القليلة ومنع تراكمه في الدم، تماماً كما هو الحال في بعض الأغذية والمشروبات الطبيعية المحللة كالخبز والمخلالات وبعض عصائر الفواكه الطبيعية.

    وعوداً إلى التحليل الكيماوي في منتج الكفير، يتبين أن محتوى الإيثانول فيه يساوي صفر، في حين قد يصل إلى نسبة 1.5%،  وقد ترتفع النسبة إلى 4% في بعض الظروف؛ مما يجعل منه حينها مشروباً كحولياً بامتياز. ويعزى هذا التفاوت في كمية الكحول في ذلك المنتج إلى عوامل عدة، مثل: كمية البادئة الميكروبية، والمدة الزمنية لعملية التخمير في الحليب، ودرجة الحرارة التي يوضع بها الحليب خلال عملية التخمير. إذ تزداد نسبة كحول الإيثانول كلما ازدادت مدة التخمير، وكلما ارتفعت درجة حرارة الجو المحيط، كما تزداد نسبة الكحول بزيادة كمية البادئة الميكروبية المستخدمة، والذي يفتح المجال لتخمير كمية أكبر من السكريات في وحدة الزمن. وبالنظر إلى تلك العوامل، فإننا نجد أنها عوامل يمكن التحكم بها والسيطرة عليها، مما يعني أن عملية إنتاج الكحول يمكن أن  تكون في أدنى مستوياتها بحيث لا تتاح الفرصة لإنتاج كميات من الإيثانول، وقد يتم التحكم بها للعمل على زيادة كمية الكحول فيها إلى النسب المرتفعة المذكورة آنفاً.


    وبوجه عام فإن تقليل مدة الحضانة لأقصر وقت ممكن مع إبقاء الحليب المخمر في ظروف التخزين الباردة داخل المبرِّد خلال تلك المدة وتناول المنتج في مدة قصيرة مع حفظه في ظروف مبردة خلال مدة الاستهلاك كفيلان بإبطاء عملية التخمير والحد من إنتاج الكحول خلال مدة الاستهلاك؛  كلها عوامل كفيلة بإبقاء الكحول في أدنى مستوياته أومنع تكوينه أصلاً. لكن، ونظراً لخطورة الأمر وارتباطه بجانب حساس من جوانب التشريع الإسلامي المتمثل بالحرمة أو الحل، فإن تحديد المواصفات التصنيعية اللازمة لمنع تكون الخمر في منتج الكفير يتطلب إجراء البحوث والدراسات العلمية للوقوف على تفاصيل تلك العوامل، التي إن تم ضبطها فإنها تجعل من منتج الكفير منتجاً خالياً من الكحول آمناً للتناول من الناحية الشرعية. وهنا فلا بد من الرجوع كذلك إلى ذوي الاختصاص في العلوم الشرعية للنظر في الحكم الشرعي في التعاطي مع هذا المنتج وتحديد الضوابط الشرعية والمواصفات التصنيعية الخاصة به، بالتعاون مع المتخصصين في إنتاج الغذاء، تلك المواصفات التي تضمن ضبط محتوياته وتحقيق شرعيته وعدم وصول الكحول إلى المستويات المحرمة شرعاً.

    المراجع:

    1. Lopitz-Otsoa,F., Rementeria, A., Elguezabal,N., and Garaizar,J. (2006). Kefir: A sysmbiotic yeasts-bacteria community with alleged healthy capabilities. Rev Iberoam Micol, 2006; 23:67-74.
    2. Food Processor SQL, Nutrition and Fitness Software, 2008.
    3. Champagne, C.P., Gardner, N.J.,  Roy, D. (2005) Challenges in the Addition of Probiotic Cultures to Foods. Critical Reviews in Food Science and Nutrition, 45:61–84.

    -للاستزادة ومعرفة المزيد حول منتج الكفير يمكن الرجوع إلى الموقع المتخصص على الشابِكة: www.kefir.net، وهو موقع متخصص في منتج الكفير، ولكنه غير علمي ولا يمكن الاعتماد على معلوماته المنشورة حول دور الكفير في الصحة والتغذية.


    جدول (1):  محتوى الكفير من العناصر الغذائية الكبرى والصغرى مقارنة باللبن الرائب والحليب (غم /100 غم).

    الحليب

    اللبن الرائب

    لبن الكفير

    العنصر الغذائي

    61.40

    61.42

    64.0

    الطاقة (كيلوكالوري)

    3.29

    3.47

    3.3

    البروتين (غم)

    4.66

    4.66

    4.8

    الكربوهيدرات (غم)

    3.34

    3.25

    3.5

    الدهون الكلية (غم)

    13.60

    12.70

    15.4

    الكولسيترول (ملغم)

    88.0

    87.90

    87.6

    الماء (غم)

    31.0

    30.0

    40.0

    فيتامين أ (مكافيء الريتينول)

    0.04

    0.03

    -

    الثيامين (ب1) (ملغم)

    0.16

    0.14

    -

    الريبوفلافين (ب2) (ملغم)

    0.08

    0.07

    -

    النياسين (ب3) (ملغم)

    0.81

    0.35

    -

    مكافيء النياسين (ملغم)

    0.04

    0.03

    -

    البيريدوكسين (ب6) (ملغم)

    0.36

    0.37

    -

    الكوبالامين  (ب12) (ميكروغم)

    0.94

    0.53

    -

    فيتامين ج (ملغم)

    1.0

    0.04

    -

    فيتامين د (ميكروغم)

    5.00

    7.40

    -

    حمض الفوليك (ميكروغم)

    0.31

    0.9

    -

    حمض البانتوثينيك (ملغم)

    119.0

    120.70

    111.0

    الكالسيوم (ملغم)

    0.01

    0.01

    -

    النحاس (ملغم)

    0.05

    0.05

    0.16

    الحديد (ملغم)

    13.40

    11.58

    6.2

    المغنيسيوم (ملغم)

    0.00

    0.00

    -

    المنغنيز (ملغم)

    93.40

    94.90

    40.0

    الفوسفور (ملغم)

    152.00

    154.60

    70.4

    البوتاسيوم (ملغم)

    2.00

    2.20

    -

    السيلينيوم (ميكروغم)

    49.00

    46.40

    20.4

    الصوديوم (ملغم)

    0.38

    0.59

    -

    الزنك (ملغم)

    0

    0

    0

    الكحول (ملغم)

    إقرأ 29880 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 25 أيلول/سبتمبر 2012 08:32
    FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed