الإثنين, 04 آذار/مارس 2013 00:42

عابرو الحدود

كتبه  مصطفى كريم
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

لغة تخترق حجب الزمن .. صنعة تتجاوز الحدود الجغرافية .. موهبة تتنقل عبر العصور، إنه الإبداع لا يعرف حدود المكان ولا الزمان، لا يقتصر على حقبة دون أخرى، وليس حكرًا على فئة دون فئة، بل هو صنعة العظماء عبر العصور، وفي كل أرجاء الدنيا، فأينما وجدت البشر، وجدت الإبداع، فالمبدعون هم عابرو الحدود، حدود الزمان والمكان والأشخاص والعقبات والتثبيط واليأس.

فهيا بنا في تطوافة سريعة لنماذج المبدعين الذين تجاوزوا الحدود ولم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام الظروف والعقبات.

إبداع طبي [التكنولوجيا وتنمية التفكير، كوثر كوجك، ص(44)]:

هو علاء الدين بن أبي الحزم بن النفيس القرشي، اشتهر باسم "ابن النفيس" والمولود في عام 607 ه، وأتم ابن النفيس دراسته للفقه والحديث واللغة العربية في مدينة حمص السورية.

ومن أهم اكتشافاته في الطب: اكتشافه للدورة الدموية الصغرى قبل وليام هارفي بأربعة قرون، وقال فيها: إن عدد تجاويب القلب اثنان، وقال: إن اتجاه الدم يمر من التجويف الأيمن إلى الرئة ويخالط الهواء ثم يعود من الرئة عن طريق الشريان الوريدي "الوريد الرئوي"؛ أي التجويف الأيسر للقلب وفيه يوزع على سائر الجسم وبهذا الرأي قدم ابن النفيس للطب نظرية جديدة وضع بها أساس الدورة الدموية الصغرى أو الدورة الرئوية.

وكان لابن النفيس عدة مؤلفات طبية هامة منها تشريح ابن سينا والموجز في الطب، والمهذب والمختار من الأغذية ووصل ما ألفه إلى أربعة عشر كتابًا في الطب وكتب أخرى في النحو والمنطق والفقه والسيرة وتوفي ابن النفيس عام 667 ه.

إبداع في جميع المجالات [التكنولوجيا وتنمية التفكير، كوثر كوجك، ص(44)]:

هو الحسن بن عبد الله بن علي بن سينا، واحد من عباقرة المسلمين، عرف بين معاصريه بالشيخ الرئيس، وعند العرب أبو الطب البشري، وقام ابن سينا بتأليف عدد من الكتب منها "البر والإثم" و"المبدأ والميعاد"، وأكمل ابن سينا مؤلفه الطبي المشهور "القانون" وهو أول كتاب في علم الطب.

وكان ابن سينا أول من حقن الإبر تحت الجلد، وأول من استخدم التخدير لإجراء الجراحات، وأول من درس أمراض المعدة والأمعاء، وأول من ربط بين الحالة النفسية، والجهاز الهضمي، ووصف الديدان المعدية، ووصف الجهاز التنفسي والامراض العصبية، وهو أول من وضع الثلج على الرأس وتحدث عن علم الديناميكا قبل نيوتن بـ 500 عام، وكذلك تحدث عن تاريخ الأنغام الغليظة والرفيعة والفواصل الموسيقية، وتوفي ابن سينا عام 408 ه.

إبداع فيزيائي [التكنولوجيا وتنمية التفكير، كوثر كوجك، ص(44)]:

هو الحسن بن الهيثم الذي ولد في البصرة عام 345 ه، وكان ابن الهيثم أول من قال: أن الضوء له سرعة وأول من وضع الأساس لفكرة صندوق التصوير الفوتوغرافي وقد سبق بآرائه رواد عصر النهضة الأوروبية.

ومن أهم اكتشافات ابن الهيثم انعكاس الضوء، عندما اختلف ابن الهيثم مع حاكم مصر في ذلك الوقت، فألزمه الحاكم منزله، وجعل له حارسين على الباب يحرسانه ويرقبان تحركاته، وأحدث الحارثان ثقبًا في نافذة غرفة ابن الهيثم ليراقباه داخل منزله، وتسلل ضوء النهار من ثقب النافذة إلى الغرفة المظلمة وصنع الضوء مع ذرات الغبار المعلقة مخروطًا من الضوء ممتدًا من الثقب إلى الجدار المقابل، واتسع المخروط حتى أصبح دائرة مستديرة على الجدار وبين لحظة وأخرى كان الثقب ينقل عبر مخروط الضوء أشكالًا مقلوبة للمارة في الطريق.

واكتشف ابن الهيثم بحسه وتفكيره الباحث والعلمي وأخذ يفكر يومًا بعد يوم في هذه الظاهرة بطريقة هندسة يرسمها على الورق، فاكتشف فكرة الغرفة المظلمة التي أصبحت فيما بعد أساسًا لفكرة صندوق التصوير الفوتوغرافي وانشغل ابن الهيثم بقية سنوات عمره بدارسة ظواهر علم الضوء والبصريات، وبرهن على أن الإبصار يحدث بانبعاث شعاع من الأشياء إلى العين فتراها.

وكان ابن الهيثم أول من فكر في بناء سد عالٍ على النيل لحماية مصر من الجفاف، وألف كتابًا في علم البصريات سماه "علم المناظر" وتوفى ابن الهيثم في القاهرة عام 413 ه.

وفي العصر الحديث نماذج:

فهذا مثال عظيم في مبدعين من مجتمعنا الإسلامي والعربي، كمثل الدكتور علي مصطفى مشرفة، الذي يعتبر من رواد العربي البارزين في مجال العلم الطبيعي في العصر الحديث.

والدكتور أحمد زويل الذي ولد بدمنهور عام 1946 م، وتميز بحبه الشديد لإجراء التجارب العلمية وتخرج في كلية العلوم جامعة الأسكندرية، وبحث في مجال الليزر، واخترع كاميرا يمكنها تصوير ورصد حركة الجزيئات عند ميلادها وعند التحامها بعضها بعض.

واخترع جهازًا لتركيز الطاقة الشمسية، وحصل على عدة جوائز ومنها: جائزة إلكسندرفون في ألمانيا الغربية وجائزة باك وتين من أمريكا، وجائزة الملك فيصل في الفيزياء، وأخيرًا جائزة نوبل في الكيمياء وللدكتور أحمد زويل أكثرمن 250 بحثًا علميًا في مجالات الليرز وأربعة كتب علمية [تنمية الإبداع لدى الأبناء، د.محمد السيد عبد الرازق، ص(16)، حول إعادة تشكيل العقل السليم، د.عماد الدين خليل، ص(7) وص(84)].

العبقري الأبله!

ورغم الصعوبات يخرج الإبداع ليتجاوز عقبة التثبيط، فهذه قصة (طفل التحق بمدرسة البلدة التي يعيش فيها والتي لم تكن تعلم سوى القراءة والكتابة والحساب وكانت المدرسة تستخدم العصا في حث الأولاد الكسالى والمبطئين أو البلهاء وكان المعلمون عاجزين تمامًا عن قراءة ما يدور في عقل تلميذهم الجديد، فكان يجلس ثم يرسم صورًا ويلتفت حوله، وقد يصغي إلى ما يقول كل واحد منهم وكانت توجه إليه أسئلة مستحيلة لكنه يأبى أن يجيب على إحداها حتى لو هدده المدرس بالعقاب، وكان الأطفال الآخرون يسمونه "الأبله" وكان على وجه العموم في مؤخرة فصله.

وذات يوم، زار أحد المفتشين الفصل فتوجه إليه المعلم بالشكوى من سلوك التلميذ الجديد قائلًا: إن هذا الصبي مختل عقليًا، وهو غير أهل لإبقائه في المدرسة أكثر من ذلك، ولكن بمرور الوقت أصبح هذا الصبي عالمًا ذائع الصيت، إنه توماس إيديسون المخترع الأمريكي الذي قدم للبشرية مخترعات يسرت لها أسباب الحياة والرفاهية، ومنها الفونوغراف وآلة عرض السينيما، والمحرك الكهربي، والبطارية والمصباح الكهربي ... إلخ) [سيكولوجية الابتكار، د.حلمي المليجي، ص(198)].

وختامًا

تذكر أن الإبداع صنعة العظماء، مهما حاول الناس تثبيط همم المبدعين فسيتجاوزوا العقبات، والإبداع سمة الكبار في كل زمان ومكان، فكن مع هؤلاء وبينهم، وسنتعرف في مقال قادم إن شاء الله على استراتيجيات وطرق التفكير الابداعي.

 

المصدر : www.islammemo.cc

إقرأ 3071 مرات
FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed