الإثنين, 19 تشرين2/نوفمبر 2012 21:11

أطفال بدون ظلّ

كتبه  ألماز برهان
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 يُعدّ ترابط الأسرة عاملاً أساسياً في تشكّل البيئة الآمنة للطفل، وفي بناء الكيان التربوي، وخير وسيلة لتشكيل انفعالاته وتهذيب خلقه واكتساب عاداته الاجتماعية؛ فالعلاقة بين الفرد وأسرته علاقة تبادلية يتأثر ويُؤثّر فيها، وكلما كانت الأسرة متحابة ومتسامحة يحيطها المودة والرحمة تكون فرصته في أن ينشأ حياة سليمة، ويتطور اجتماعياً ومعرفياً أفضل بكثير من غيره من الأطفال الذين لا يتوفر لهم ذلك.

 فالسنوات الأولى من عمر الطفل هي الوعاء الثقافي الذي يشكل حياة الفرد ويكسبه الاتجاهات والمشاعر العامة، ومع هذه الأهمية لدور الأسرة إلاّ أن كثيراً من الآباء يجهلون هذا الدور في التنشئة الاجتماعية، إما لجهلهم أو لهشاشة العلاقة بينهم، مما يؤدي بهم إلى الطلاق لأتفه الأسباب التي لو عالجوها بحكمة ومعرفة بأصول الزواج لعاش الزوجان في جو سليم يسوده التفاهم.

إليك عزيزي القارئ بعضاً من القصص التي رواها أصحابها وهم مدركون أنهم سبب في تعاسة أطفالهم، وإن كانت تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.

من حق الطفل أن ينشأ في كنف والديه؛ فالدراسات التربوية تثبت أن حرمان الطفل من رعاية والديه لأي سبب كان يعطل ارتقاء كثير من قدراته الانفعالية والاجتماعية والمعرفية، لذلك نجد أن اتفاقيات حقوق الطفل تشير إلى أن الوالدين هما صاحبا حق الحضانة أساساً، وأنه لا يمكن فصل الطفل عنهما، أو عن أحدهما إلاّ لضرورة راجحة في مصلحته.

وعلى الوالدين أن يعلما أنه من وظائف الأسرة أنها:

- تمدّهم بالبيئة الآمنة التي توفر احتياجاتهم وحقوقهم في جو من الحنان؛ كي يتمتعوا بشخصية متوازنة قادرة على الإنتاج والعطاء.

- تعد الأطفال للمشاركة في حياة المجتمع والتعرف على قيمه وعاداته؛ فهي تلعب دوراً حيوياً في تزويد الطفل وتشريبه ثقافة المجتمع وقيمه ولغته؛ مما يهيئه للحياة الاجتماعية.

- لا تلبي الحاجات الأولية للطفل من طعام وملبس فحسب، وإنما تتعدى ذلك لتلبية حاجاته الإنسانية الأخرى؛ كالحاجة للحب والانتماء، وتنقل من جيل إلى جيل التقاليد والقيم الثقافية والروحية والأخلاقية.

الانفصال وأثره النفسي

ترى الدكتورة منى حجازي اختصاصية علم النفس الإكلينيكي بمركز الدكتور أبو بكر يوسف أن التماسك الأسري من أهم الأمور التي تؤثر في بناء الروابط بين الوالدين وتمتينها؛ فتعاون الوالدين واتفاقهما والاحتفاظ بكيان الأسرة يوجد جواً هادئاً ينشأ فيه الطفل نشأة متزنة، ليترتب على هذا الاتزان العائلي منح الطفل الثقة بنفسه، والثقة بالعالم الخارجي الذي سيتعامل معه فيما بعد؛ فقد أثبتت الدراسات التربوية أن هناك علاقة ذات دلالة إحصائية بين تشرد الأطفال وجنوحهم، وبين تفكك الأسرة، ومن أكثر مظاهر التفكك انتشار المشاجرات المستمرة بين الوالدين، مما يجعل جو المنزل لا يُطاق فيهرب منه الطفل للشارع، وأحياناً ينفّس أحد الوالدين غضبه على الأطفال نتيجة التوتر المستمر مع كثرة الشقاق، مما يقلل من ثقة الطفل بنفسه وبمحيطه الذي يرعاه.

وتؤكد حجازي أن الخلافات الزوجية أمر طبيعي لا يكاد يخلو منها بيت من البيوت، ولكن المشكلة في كون هذا الخلاف ضرورياً، وإزاء هذا الاختلاف يحدث الخلاف، وبعض الخلاف ينصب على تربية الأبناء وحاجياتهم؛ فما يراه الأب من مصلحة الأبناء ترى الزوجة عكس ذلك، وبعضها يتمحور في عدم القناعة بالطرف الآخر، ونظراً لكثرة تنوع الخلافات الزوجية وتباينها بين الأسر، فإنه من الأنسب ذكر الأسباب العامة والتي إذا عُرفت سهل بإذن الله تعالى علاجها، وأهمها: التساهل في أداء الحقوق الزوجية، ضعف قوامة الرجل مقابل قوة المرأة، المؤثرات الخارجية لها الأثر الفاعل في بث الخلافات الأسرية بين أفرادها، سواء من تدخل الأهل أو الأصدقاء أو العادات والتقاليد السيئة ووسائل الإعلام التي تدعو للتحرر وكسر الآداب الاجتماعية، كلها عوامل تؤدي إلى المشكلات، وقد يمتد أثر الطلاق للمدرسة حيث تؤثر الصراعات بين الوالدين وفقدان أحدهما في تحصيله الدراسي، فيظهر ذلك بأشكال عديدة: قلة التركيز والشرود دائماً، عدم تأدية فروضه وإنجازها في الوقت المطلوب منه، عدم رغبته في الاندماج مع أصحابه وشعوره بالانعزال، وعدم رغبته في الذهاب للمدرسة، لذا من واجب الوالدين إبلاغ مدير المدرسة أو المرشد الطلابي بطبيعة المشكلة ليتم متابعة سلوك الطفل في المدرسة، وملاحظة التغيرات التي طرأت عليه، وذلك حتى يتفهم المعلم سلوكه غير المرغوب، والتماس العذر له، وليتفهم مشاعره واحتياجاته أيضاً.

وقد يحاول الطفل سدّ الفراغ العاطفي الذي يشعر به؛ فيبحث عن أب أو أم يعوضه عن الطرف الغائب، ليجده في أحد الكبار من حوله (عم، خال، الجد، أو أحد المدرسين)؛ فهو لا يبحث عن دعم مادي بقدر ما يبحث عن السند المعنوي الذي يركن إليه، وينمو في ظله، وعلى الأم في هذه الحالة مساعدة طفلها على اختيار الشخص المناسب الذي يتمتع بالحكمة والحنان، ويمثل القدوة الجيدة له.

و بالإضافة إلى أن الصراع الأسري يحطم البيوت سيكولوجياً، فإنه أيضاً يؤدي إلى شعور الطفل بأنه غير محبوب أو عديم القيمة؛ فتجده في بعض الأحيان يستخدم أحد الأبوين ضد الآخر، أو يستخدمه أحد الأبوين بنفس الطريقة، أو قد يهمله كلا الأبوين لانشغالهما بنزاعاتهما وتفكيرهما بالانتقام.

تقدم الباحثة التربوية رجا عبد القادر قواعد وممارسات لإقامة تواصل وحوار داخل الأسرة، وللتخفيف من حدة الخلافات والشقاق، وذلك لتساهم بشكل مباشر في المحافظة على تماسك الأسرة:

- لا يمكن للوالدين أن يقوما بدورهما المتكامل في تربية أطفالهما، ما لم يكونا على قدر من التفاهم والانسجام؛ فمن الضروري الاتفاق على قواعد السلوك المرغوب وعلى الأساليب التربوية في رعاية الأطفال وتنشئتهم.

- ضرورة كظم كلا الوالدين انفعالاتهما أثناء الغضب ومقابلة الإساءة بالإحسان، والاستعداد للتساهل والتنازل فيما بينهما، مع التخفيف قدر الإمكان من أشكال اللوم والعتاب؛ فجميع هذه الممارسات ستساهم في الحد من الشجار والخصام بين الزوجين، خاصة أمام الأطفال.

- إيمان كلا الزوجين باحترام الأسرة وعدم السماح لأي كان التدخل في شؤونها الداخلية، ولو كان أقرب المقربين.

- إن الحاجة للتشجيع والتركيز على الإيجابيات، وكلمات المدح والثناء تُعدّ مسألة مهمة لكلا الزوجين، وواجب كل منهما تجاه الآخر.

- تنبّه كلا الزوجين إلى عدم السماح لنشوب الخلافات بسبب الأشياء الصغيرة، وإذا حدث ذلك، واختلفا أمام أطفالهما فليحاولا إصلاح الخلاف، أو حل المشكلة أمامهم، من خلال الحوار، والاعتذار؛ لتعليم الأطفال الطريقة الصحيحة لحل المشكلات، وإشعارهم بالأمان.

- تخصيص وقت محدد -وبدون حضور الأطفال ما أمكن- لمناقشة خلافاتهما؛ لأن الجو المشحون باستمرار يعيق تطور ونمو الأطفال بشكل سليم وطبيعي؛ فالشعور بالأمان كحاجة للطفل لا يقل أهمية عن حاجته للغذاء.

- استعداد كل طرف لمساعدة الآخر، والمشاركة في تحمّل المسؤوليات والأعباء الأسرية، مما يخفف الضغوطات والتوتّرات عن كاهل الطرفين.

- العفو السريع، وتجنب إطالة فترة الخلاف تجنباً لتضخم المشكلة الصغيرة، وعلى الزوجين أن يشرح كل منهم ما يضايقه من الطرف الآخر، شريطة أن يتم ذلك بأسلوب لطيف، وفي وقت مناسب، وليس أثناء الشجار.

- على كل طرف أن يحرص على تقديم الطرف الآخر للأطفال بصورة ايجابية تتسم بالاحترام والتقدير واجتناب نقده أمام الأطفال كسلوك عام، وخاصة بعد المشكلات.

- أننا نعرف جميعاً أن الخلاف شيء طبيعي بين الزوجين، المهم هو أن يحاول الزوجان حصر عدد مرات الخلاف خلال مدة زمنية، وأن يعملا على تقليلها والتحكم بمشاعرهما أثناء الخلاف، فكلما نجحا في ذلك ساهما بتهيئة جو أسري ودود وداعم لنماء أطفالهما.

قد يعتقد الوالدان اللذان استحالت الحياة بينهما أن الانفصال هو النهاية الحقيقية للخلاف، بينما هو بداية لمرحلة تالية من المشكلات التي يمتد أثرها في تكوين شخصية الطفل ومسيرة مستقبله؛ فلا بد أن يوقنا في النهاية أن الطفل مسؤولية مشتركة بينهما حتى بعد الانفصال، ويبقى افتراق الوالدين وابتعادهما عن بعضهما هو الحقيقة المرة التي يراها الطفل، ولها بالغ الأثر في نفسه.

 

المصدر : www.kidworldmag.com

إقرأ 2213 مرات آخر تعديل على الإثنين, 01 شباط/فبراير 2016 23:03
FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed