الثلاثاء, 18 أيلول/سبتمبر 2012 19:03

كيف يفكر المرتشي

كتبه  د.عامر غضبان
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

bribeالرشوة هي مال أو سلعة أو خدمة أو تسهيل يقدم للشخص المرتشي نظير قيامه بعمل محدد، أو امتناعه عن القيام بعمل محدد، وهذ العمل أو الامتناع ينافي معايير الأمانة أو النزاهة أو العدالة.

وقد يظهر الشخص المرتشي – خاصة في المجتمعات التي ينتشر فيها هذا السلوك – شخصاً قوياً، متمكناً، إيجابياً، يحب مساعدة الناس،

 

ويدعي أدواراً مهمة في خدمة المجتمع ونهضة الوطن.

لكن الحقيقة أن المرتشي شخص غير متوازن، وغير مستقر، فهو في الجانب المعرفي يعاني تشوهات معرفية عميقة، وفهماً قاصراً للواقع، وأبرز مظاهرالتشوه المعرفي لديه هو في نظرته للمال على أنه غاية في حد ذاته، فالشخص المرتشي لا يفهم إلا المكافأة المادية العاجلة، وهو ينظر بالسخرية لأي مكافأة معنوية، وإن بدا كثير من المرتشين يكثرون من عبارات الشكر والاحترام في كلامهم الظاهر، لكنهم قد يقولون عبارات التحقير والشتائم لأي شخص غائب عن المجلس، مما يعني أن المديح أو الذم بالأقوال لا يعنيان لهم أي قيمة، أو أي ربح، أو أي خسارة.

ومن آثار الإدراكات المعرفية القاصرة لدى المرتشي تصوره لذاته باعتباره محور التفكير ومعيار الأحكام على الواقع، من أمثلة ذلك أن المرتشي حين تغيب عنده الفوارق بين المكافأة القانونية على جهد مستحق والرشوة غير القانونية، فإنه سيعتبر كل مال أو خدمة ينالها مكافأة يستحقها لتميزه وجهوده السابقة الكثيرة، وكل ما يناله منافسه هو رشوة، حتى عبارات الشكر أو شهادات التقدير التي ينالها الآخرون جميعها غير عادلة، ولا يستحقها أصحابها.

وفي الجانب الاجتماعي يعيش المرتشي حالة غياب عن المعايير الخلقية، وانفصام عن الشعور بالآخرين، وانعدام لوجود الشعور الجمعي، فهو يعيش أسيراً في أنشطته وانفعالاته الخاصة، ولا يستطيع الخروج من هذا الأسر بتفاعله مع الآخرين واستشعاره مشاعرهم، وغياب هذا البُعد في شخصية المرتشي يفقده خيارات مهمة في اختياراته لسلوكه وتصرفاته، ويجعله مقيداً، والمشكلة أنه قد لا يكون واعياً لهذا الضعف أو قاصداً له.

وفي أحيان كثيرة تتكون لدى المرتشي مشاعر عدوانية تجاه المجتمع ككل إذا اعتقد أن المجتمع يقف في وجه تحقيق أهدافه التي يراها مشروعة، وقد تظهر هذه العدوانية في سلوك التسلط على الناس بحجة الحفاظ على القوانين واللوائح، وهذا في الحقيقة بسبب الرغبة في الحصول على المال، لأن المال هو الطريق الوحيد برأيه للقوة والسلطة.


أما في الجانب الانفعالي فالمرتشي لا يشعر بالرضا عن ذاته، ولا عن واقعه، ولذلك لا تستقر مشاعره ولا يقل طمعه. إنه لا يرى التفوق إلا من خلال طريق واحد، هو الغنى والثراء الفاحش، وهو يشعر بالحسد والغيرة ممن هم أغنى منه، وفي المقابل يشعر بالتهديد من قبل أشخاص آخرين قد يكونون أقل منه غنى إذا اعتقد أنهم سيسبقونه في المستقبل، وربما يكون هذا السبق بأدوات لا يملكها. إن رؤية المرتشي لنفسه أنه لم ينل الذي يستحقه من المكاسب، ويعتقد أن عليه الوصول لهذه المكاسب – التي هي حقه – بالطرق المشروعة وغير المشروعة، وحين يصل إلى هذه المكاسب سيعتقد أنه أصبح يستحق مكاسب جديدة، من مال أكثر، أو وضع أفضل.

وتنعكس هذه الرؤية في شكوى المرتشي الدائمة، فهو يشكو من "غياب العدالة"، وحين يكون صريحاً في بحث موضوع المال الذي يأخذه فإنه يدعي أنه يحاول "إنقاذ" حقه من أعدائه الظالمين ومن المجتمع الظالم، لهذا يصر على النظرة السوداء للمجتمع والواقع، ويحرص على إثباتها، وربما تثبيتها في الواقع وزرع أدلتها.

ومع استمرار المرتشي في اتباعه لأطماعه، وبطرق غير مشروعة، يتكون لديه الخوف من المواجهة والشعور بالعجز، على الرغم من استمراره في جمع المال والمكاسب. إنه لا يشعر بالإنجاز والتفوق مع كثرة ما يحقق من المكاسب، وتكون وسيلته لمعالجة مخاوفه هي البحث عن مصدر قوة جديد، وفي كثير من الأحيان يحاول الحصول على هذا المصدر من خلال تأسيسه لعلاقة دائمة مع أصحاب المال والأعمال (طبقة دافعي الرشوة)، ليقوم هؤلاء بتمويل أطماعه وحماية مكاسبه، وتتأسس علاقة معقدة، يعتقد فيها كل من الطرفين أنه الأقوى والمسيطر وصاحب السلطة والمبادرة، والقادر على تهديد الطرف الآخر، وعند هذه المرحلة أيضاً لا يشعر المرتشي بالأمن، لكنه يجد الموقف الذي يعبر فيه عن سلطة وتفوق ينسبهما لنفسه.

لقد عرضنا في هذا المقال وصفاً لسلوك الرشوة ومعالم شخصية المرتشي، أما كيفية نشوء وتطور هذا السلوك فربما نحتاج للتفصيل فيها في مقال آخر، لكن يمكن أن نشير هنا إلى بعض نماذج التنشئة الأسرية التي تقدم فيها المكافآت والعقوبات بشكل يشبه الرشوة، بحيث يغيب التوجيه المرافق الذي يحدد الخطأ ويعزز الصواب، ولا يلاحظ فيها اقتران المكافأة بلذة الإنجاز التي يشعر بها الطفل عند قيامه بالسلوك الحسن.

وتؤكد الدراسات والأدبيات أنه على الرغم من ارتباط الرشوة بأوضاع اقتصادية أو نماذج اجتماعية محددة، فإنه يبدو أن العامل الحاسم في وجود هذا السلوك هو توجهات المرتشين أنفسهم واستسلامهم لأطماعهم، ولهذا لا يمكن اعتبارها سلوكاً سوياً مقبولاً، وإن انتشرت في بعض الحالات والمجتمعات. وقد جاء في حديث صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام: "لعن الله الراشي والمرتشي".

 

إقرأ 5221 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 25 أيلول/سبتمبر 2012 08:32
FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed