الثلاثاء, 24 نيسان/أبريل 2012 13:13

جوزة الطيب: بين المنافع والمضار

كتبه 
قييم هذا الموضوع
(7 أصوات)

Myristicaceaeيعود نبات جوزة الطيب إلى العائلة البسباسية Myristicaceae، واسمه العلمي Myristica fragans . ونبات جوزة الطيب دائم الخضرة وينمو بشكل عمودي بحيث يتراوح طوله ما بين 4-10 متر وقد يصل إلى 20 متر. تبدأ شجرة جوزة الطيب بالإثمار بعد ثمانية أعوام من زراعتها، وتستمر في العطاء لستين عاماً أو يزيد، وتكون ذروة عطائها بعد السنة الخامسة والعشرين من عمرها.

ومن أبرز ما يميز جوزة الطيب أنها تعطي نوعين مختلفين من المنتجات التابلة وهي: مسحوق جوزة الطيب، والذي ينتج عن طحن بذور النبتة ، والميس Mace ، والذي ينتج عن طحن قشور البذور  بعد تجفيفها ويمتاز بلونه الأصفر المشابه للون نبات العصفر. وبعد قطاف ثمار جوزة الطيب، يتم تجفيفها من خلال التعريض لأشعة الشمس المباشرة، ويتم تقليبها مرتين في اليوم الواحد وعلى مدى ستة إلى ثمانية أسابيع. خلال هذه الفترة، تبدأ ثمرة جوزة الطيب بالانفصال عن القشرة، حتى يصبح من الممكن سماع صوت حركة البذرة بعيدة عن القشرة عن تحريكها. بعد تفصل القشرة ويتم الحصول على ثمرة جوزة الطيب المجففة الجاهزة للاستعمال.

 

وتعود جوزة الطيب اصلاً إلى جزر الملوك، أو جزر التوابل كما يعرفها بعضهم في أندونيسيا، وقد عرفت سابقاً في أوروربا في نهاية القرن الثاني عشر الميلادي، وانتشرت زراعة جوزة الطيب في مختلف المناطق الدافئة والاستوائية، حتى أصبحت جزر إندونيسيا وماليزيا وجزر جرينادا على رأس قائمة الدول المصدرة لها، وهي الدول التي تمتاز بوجود الترب البركانية في أراضيها.


ولجوزة الطيب استخدامات غذائية متعددة، إذ تستعمل كتابل أو بهار بشكل منفرد أو ضمن أنواع خلطات البهار المختلفة مثل خلطة الكاري، فهي تعطي طعماً مميزاً لاذعاً ونكهة ذات حلاوة، كما تستعمل في صناعة بعض المخبوزات والفطائر والحلويات وصلصات الطعام المطيبة، وفي تحضير أطباق من الخضروات وفي تتبيل اللحوم واللدواجن المعدة للشي، ويضاف إلى أنواع مخصصة من الحليب المعد لصناعة أنواع من القهوة الغربية، كما يضاف إلى بعض أصناف  الشاي.

ومع تزايد الاهتمام بجوزة الطيب من الناحية الطبية والغذائية، فقد سعى العلماء والباحثون إلى سبر أغوارها ومعرفة مكوناتها من العناصر الكيماوية النباتية الطبيعية فيها. ولعل من  أبرز ما دفع العلماء والباحثين إلى دراسة تلك النبتة هو ما عرف عن استخدامها من قبل بعض الناس كمادة مهلوسة ومفترة، وكبديل عن المواد المخدرة التي تعطي صاحبها الشعور بالنشوة و"السعادة" المصطنعة.

وبالنظر للتركيب الكيماوي لجوزة الطيب، فقد أثبت العلماء احتواءها مركبين كيماويين تعزى لهما التأثيرات السلبية المذكورة آنفاً، وهما مركبا: المريستيسين Myristicin والإليميسين Elimicin ، حيث يتحول هذين المركبين داخل الجسم بفعل عمليات الأيض والتحويل البيولوجي إلى مركبات شبيهة بمشتقات الأمفيتامينات Amphetamines، وهي المركبات المنشطة المعروفة والممنوعة دولياً، وإليها يعزى التأثير المهلوس والمفتر الذي اشرنا إليه آنفاً.

وبالنظر إلى التركيب الغذائي لجوزة الطيب، نجد أنها تحتوي على ما نسبته (لكل 100 غم من الوزن الرطب): 5.8% بروتين، 49.3% كربوهيدرات، 20.8% ألياف غذائية، 36.3% دهون تمثل الدهون المشبعة ما نسبته 71% من مجمل الدهون فيها، و6% رطوبة و3.2% رماد المعادن. ونظراً لارتفاع محتوى الدهون في جوزة الطيب، فإنه تستخرج منها مركبات دهنية عديدة الاستعمال منها زبدة جوزة الطيب وزيت جوزة الطيب. وعند النظر في الجزء غير العضوي من جوزة الطيب، نجده يحوي كميات متوسطة من العناصر المعدنية الكبرى (ملغم/100 غم): مثل الكالسيوم (184) والبوتاسيوم (350) والمغنيسيوم (183) والفوسفات (212)، كما يمتاز باحتوائه كميات جيدة من المعادن النزرة أو اليسير مثل: الحديد (3.4 ملغم)، والزنك (2.15 ملغم)، والمنغنيز (2.9 ملغم)، والنحاس (1.03) والسيلينيوم (1.6 ميكروغم).


ولعل أبرز ما يميز جووز الطيب عن سائر أنواع التوابل والنباتات المعطرة اشتهاره بتأثيره المنشط للجهاز العصبي Psychoactive herb، وتحديداً التأثير المهلوس أو المسبب للهلوسة Hallucinogenic effect، وهي الخاصية التي جعلت منه محطاً لانظار واهتمام مدمني الحبوب المنشطة والمفترات وغيرها من أنواع المخدرات المنبهة والمهلوسة، وكذا موضع نظرالأطباء من جانب ، نظراُ لما ينطوي عليه تناوله من تأثير ضار على الجهاز العصبي المركزي، والفقهاء وأهل العلم الشرعي من جانب آخر، لتعارض ذلك التأثير الضار مع القاعدة الشرعية (لا ضرر ولا ضرار) و تطابقها مع القاعدة الشرعية (ما أسكر كثيره فقليله حرام) و (كل مفتر حرام).

وأخيراً فقد أمكن عزل مركب كيماوي جديد من من الميس أو قشرة جوزة الطيب واسمه ارجنتيين Argenteane، وهو مركب ينتمي لمجموعة مركبات الليجنانLignans  التابعة لعائلة المركبات عديدة الفينول Polyphenolics، وهو مركب ذو تأثير مضاد للتأكسد، ويضاهي في قوته قوة فيتامين هـ المعروف بقدرته العالية على منع التأكسد وخاصة للدهون في الأنسجة الحية. كما أشارت دراسات حديثة إلى احتواء قشرة جوزة الطيب على مركبات فينولية متعددة ذات قدرة عالية على منع التأكسد في مكونات الدم الدهنية، وكبح الجذور الحرة ذات التأثير الضار على صحة القلب والمسببة للتسرطن، كذلك على حماية الحمض النووي DNA في الخلية الحية من خطر إشعاعات جاما المؤينة وذات التأثير المسرطن.

وعند النظر إلى موضوع تناول جوزة الطيب، نجد أن المعلومات المتاحة من خلال البحوث الطبية المنشورة في المجلات العلمية المحكمة أن التأثير الضار لجوزة الطيب لا يتأتى إلا من خلال تناول كميات كبيرة من مسحوق جوزة الطيب، وهي كميات تتراوح ما بين 2-3 ملاعق طعام كبيرة من مسحوق الجوزة الخالص (بما مقادره 10-15 غم). ففي حادثة أثبتت في مجلة الطب الجنائي Forensic Medicine Journal  ، تم التحقيق من مجموعة من المسجونين في سجن ولاية نيوجيرسي الأمريكية حاولوا الوصول إلى حالة النشوة Euphoria  التي تسببها الماريجوانا والهيروين والخمر، من خلال تناول مسحوق جوزة الطيب الخالص بجرعة مقادرها 2-3 ملاعق طعام كبيرة من مسحوق الجوزة، أي ما يعادل 14-21 غم. وقد  أثبت غالبية السجناء حصول حالة النشوة "والتحليق" بعد تعاطيهم لمسحوق جوزةة الطيب، وهو الأثر الذي استمر معهم لمدة تراوحت ما بين 4-24 ساعة،


بالإضافة إلى إحساس الغالبية منهم بحالات من الدوار والاستثارة، في حين ذكر اثنان فقط حصول حالات من عدم التوازن Disorientation، والاضطراب الذهني Confusion، والشعور بالهلوسة في حاستي السمع والبصر، وهي أعراض استمرت لمدة تصل الى ست ساعات.

وفي مقابل التأثير السلبي لجوزة الطيب، والمتمثل بالهلوسة وأعراضها، فإن بعض الدراسات أظهرت الخاصية المانعة للاكتئاب Antidepressant . ويعزى التأثير المضاد للاكتئاب هذا إلى قدرة مركبات الجوزة المريستيسين والليسين على منع وتثبيط إنزيم الأكسيديز أحادي الأمين Monoamine oxidase، وهو الانزيم المسؤول عن أيض الهرمونات الأمينية الرئيسية في جسم اإنسان مثل الأدرنالين المحفز للجهاز العصبي. وقد أظهرت إحدى الدراسات الدوائية قدرة مركبات جوزة الطيب على تثبيط هذا الإنزيم بكفاءة تصل إلى ثلث كفاءة العقار الطبي المستخدم في علاج حالات الاكتئاب والمعروف بـ Iproniazid.

وعلى الرغم من الاستعمالات المتعددة الإيجابية لهذه النبتة الطبية والغذائية، فقد ذهب كثير من فقهاء المسلمين إلى القول بتحريمها ومنع تداولها، منعاً لتأثيرها المسكر أو المفتر، واستندوا بذلك إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه:"ما أسكر كثيره فقليله حرام"، على اعتبار أن ما يحدثه تناول جوزة الطيب مشابه في أثره لما يحدثه الخمر من ذهاب للعقل وغياب للإدراك والوعي، الذي هو مناط التكليف ومحور التشريع في الإسلام. ونظراً لمحدودية الكمية المستعملة لدى كثير من الناسن وخاصة في أنواع التوابل والبهارات، واستحالة تحقق السمية والتأثير الضار عند وضعها بكميات ضئيلةن فقد أباح الفقهاء استعمال هذه النبتة طالما أن هذا الاستعمال لا تيرتب عليه إحداث أي تأثير مفتر أو مخدر، بسبب التدني الشديد لكمية جوزة الطيب المستعملة. وبالرجوع إلى أهل الخبرة والصنعة في مجال التوابل، فقد أورد أحدهم أن الكمية المضافة من جوزة الطيب لا تتعدى 20 غرام في كل كيلو غرام من البهارن مما يعني أن تركيز جوزة الطيب لا يتعدى 2%. وبالنظر إلى طرق الاستخدام للبهارات، نجد أـن كمية البهار المحتوي على جوزة الطيب لا تتعدى 5 غم،أي أن تركيز جوزة الطيب فيها يساوي 0.1 غم، وتوضع على قدر من الطعام المطبوخ بسعة تصل إلى 5 لتر، فيصبح تركيز جوزة الطيب 20 جزء بالمليون (20 ملغم في كل كيلو غرام)

 

إقرأ 28240 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 25 أيلول/سبتمبر 2012 08:32
FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed