السبت, 28 نيسان/أبريل 2012 17:18

الغذاء من منظور قرآني

كتبه  د."معز الإسلام " فارس
قييم هذا الموضوع
(4 أصوات)

quraan-ayahخلق الله عز وجل الإنسان واستخلفه في الأرض، وهيأ له من السبل والوسائل ما تعينه على القيام بحقوق العبودية وواجبات الاستخلاف. فكان أن جعل الله -عز وجل- له الطيبات من الرزق، والتي من خلالها يتعرف على نعم الله وعطاياه، ويتمكن من التمتع والتطيب إلى جانب التزود بما يحتاجه جسمه من مغذيات ، قال تعالى :{ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ([1])،

 

وقال-جل من قائل-:"{ وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}([2]). وقد اشتملت آيات القرآن الكريم على ذكر العديد من الأغذية الطيبة التي تمتاز باحتوائها على العناصر الغذائية اللازمة لنمو الجسم وصيانته ووقايته من الأمراض. ولم يقتصر الأمر على ذكر هذه الأطعمة، بل تعداه إلى  القَسَم ببعضها، وهو ما يدل دِلالة واضحة على أهمية هذه الأطعمة وفائدتها الغذائية والصحية ، وإلاّ فلم يقسم الله عز وجل بها، فالعظيم لا يقسم إلا بما هو عظيم ، قال تعالى : {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ }([3]) . كما أن القرآن الكريم جعل من الغذاء محطاً للنظر والتفكر وإعمال العقل، واعتبره آية من آيات الله الدالة على وجوده ووحدانيته، وذلك من خلال التأمل في مراحل تشكل الغذاء وتكوينه، بدءاً من نزول الماء من السماء، ثم تشقق الأرض وخروج النبات، وانتهاءاً بتكون الثمرات باختلاف بأشكالها وألوانها،  فقال عز من قائل:{فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ،  أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّاً  ،ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً ،فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً ،وَعِنَباً وَقَضْباً  ،وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً  ،وَحَدَائِقَ غُلْباً  ،وَفَاكِهَةً وَأَبّاً  ،مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}([4]) ، كما أفرد القرآن الكريم مساحة واسعة من رحابه العطرة للحديث عن الطعام، ابتداءً من زرعه وإنباته، وأنواعه وأشكاله، وانتهاءً بأحكامه وتشريعاته وقوانينه،


حتى أن تعداد كلمة "أَكَلَ" ومشتقاتها في القرآن الكريم بلغ خمساً وتسعون مرة  في أكثر من ثلاثين سورة، وتعداد كلمة"طَعَمَ" ومشتقاتها بلغ أربع وأربعون مرة، عدا عن عشرات الآيات المبثوثة في ثنايا السور القرآنية التي استعرضت أصناف الطعام والشراب المختلفة، فلا تكاد سورة من القرآن الكريم تخلو من ذكر الغذاء أو الإشارة إليه. ولو تأملنا في سورة الأنعام، وهي سورة مكية، لوجدنا العديد من الآيات التي تناولت موضوع الأطعمة في سياق عقدي يربط ما بين توحيد الألوهية والعبودية لله –عز وجل- وتفرد الله



.[1] الأعراف / 32.

.[2] الرعد /4.

.[3] التين /1.

.[4] عبس /24-32.

–عز وجل- بالحكم والتشريع وبين التعامل مع المطاعم والذبائح والثمار، لما كانت تمثله تلك الأطعمة في الجاهلية من مظهر عقدي  يتمثل بالذبح لغير الله أو تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله، وفي هذا يقول الأستاذ الشهيد سيد قطب –رحمه الله-:" وكذلك نرى أن هذه المسألة الجزئية الخاصة بالتحريم والتحليل في الأنعام والنذور والثمار، وفي الأولاد-على ما كان متبعاً في الجاهلية- يربطها السياق بتلك القضايا الكبيرة: بالهدى والضلال، واتباع منهج الله أو اتباع خطوات الشيطان، وبرحمة الله وبأسه، وبالشهادة  بوحدانية الله أو عدل غيرها به، وباتباع صراطه مستقيماً أو التفرق عنه"([1]).

إن القرآن الكريم بذلك إنما يلفت أنظارنا إلى أنه -أي الغذاء- ليس مجرد مواد عضوية وغير عضوية يتناولها الإنسان ليحيى ويبقى، كما يتصور البعض، بل هو أبعد غوراً وأعظم شأواً،  فهو ،شأنه أي مفردة من مفردات حياتنا الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو التربوية، مرتبط بعقيدة الإنسان وجزء من ثقافته ومعلم من معالم حضارته وملمح من ملامح هويته، فلا بد إذن من تنظيمه وترشيد النظر إليه وتقنين التعامل معه، بما يحفظ للإنسان بقاءه ويحافظ على هويته وثقافته.


ولا غرو ولا عجب في أن نقرن الغذاء بثقافة الإنسان وهويته، فمن الحقائق المقررة في علم التغذية أن الدين ومكونات الثقافة الأخرى تعد من أهم العوامل المحددة لاختيار الغذاء والمسلك التغذوي، كما أن الطعام والشراب لم يسلما من هجمات الأعداء وغزوهم الثقافي، بل إنهما قد أصبحا أداة ناجعة من أدوات الغزو الثقافي والتغريب الحضاري الذي تعيشه أمتنا، ولا أدل على ذلك  من سعة انتشار المطاعم الغربية في أصقاع عالمنا العربي والإسلامي، فهي مطاعم لا تقدم أطباق الطعام فحسب، بل تقدم معها نماذج حية لأسلوب ونمط الحياة الغربي، بما فيه من سرعة وعجلة، وبما تحمله من أجواء اختلاط جنسي وموسيقى صاخبة تجعل المرء يشعر وكأنه يعيش في حواري الغرب ومدنه، وتعكس أو تطبع في نفسه عِظم تلك الحضارة التي أبدعت في كل شيء مادي، ليس في وسائل التكنولوجيا والسيارات الاتصالات وأدوات الحرب فحسب، بل حتى في الطعام والشراب. فشركات المطاعم الغربية في بلادنا، وخاصة الأمريكية منها، هي شركات عابرة للقارات، وهي أحدى أهم وسائل وأذرع العولمة الأمريكية، حتى أن عدد فروع شركة واحدة منها، وهي الماكدونالدز على سبيل المثال، بلغ خمسون ألف فرع في أنحاء العالم المختلفة، مما أمكن للبعض تسميتها ووصفها ب"جيش الماك" أو " الجيش الخفي"، وهي كذلك، فها هي بعض الدول كالصين وفرنسا، تنظر بعين الريب والتوجس إلى هذه المطاعم التي باتت تشكل وسيلة من وسائل "الأمركة" لشبابها، بعد أن فشلت الولايات المتحدة في "أمركة" سياساتها وتوجهاتها، فما بالنا نحن لا ننظر إليها بتلك العين.

إن من الحقائق العلمية المقررة أن السلوك البشري يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالسلوك التغذوي، لذلك كان لابد من تنظيمه وترشيده، وأن كلا السلوكين يؤثر في الآخر ويتأثر به، فالسلوك التغذوي هو ترجمة للقيم والأفكار والعادات والتقاليد المتعلقة بالغذاء والتي تشكل في مجملها ثقافة الإنسان التي يتوارثها من البيئة الأسرية أو المجتمعية التي يعيش فيها، كما أن السلوك الإنساني قد يتغير عن طبيعته إذا شذ الإنسان في سلوكه التغذوي ونزح به عن جادة الصواب، وما الخمر إلا مثالاً ظاهراً لكل مبصر كيف يودي بصاحبه وينحط بسلوكه وأخلاقه.  لذلك نجد أن لكل حضارة أوشعب أو أمة قيمها وعاداتها وتقاليدها التغذوية التي تعتز بها لأنها تميزها عن غيرها، وتعطيها الشعور بالخصوصية والميزة الثقافية،


والتي تسعى من خلال الحفاظ عليها إلى إظهار مدى تمسكها والتزامها بموروثها ذاك، حيث يظهر ذلك جلياً في البيئات المتعددة الأعراق، كالولايات المتحدة مثلاً، إذ تنتشر المطاعم العربية والآسيوية والإفريقية في المدن الكبرى، حتى يتسنى لكلٍ أن يمارس سلوكه التغذوي الذي تربى عليه وأن يعبر عن انتمائه لثقافته وأمته. لذلك كان لا بد من السعي إلى إبراز الجانب التغذوي في حياة الإنسان المسلم وربطه بنبعه الثر ومورده العذب ومنبعه الصافي ومشربه الروي، ألا وهو القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة بما صح منها.

ولم يقتصر دور الإسلام على تنظيم التعامل مع الغذاء من خلال التحليل والتحريم، بل تعداه إلى العمل على خلق وتشكيل وعي وحس تغذوي لدى المسلم . فإيراد أصناف من الغذاء وتخصيصها بالذكر في القرآن الكريم أو في السنة النبوية ،في معرض الثناء أو تبيان الفضل والنعيم، هو بمثابة دعوة ضمنية لنا معشر المسلمين ولبني البشر من بعدنا للاهتمام بها والتنبه إلى فوائدها والإكثار من تناولها تحقيقاً لمصلحة الإنسان في حفظ صحة بدنه وديمومة عافيته وابتعاده عن الأدواء والعلل. كما أن في ذكر بعض الأطعمة في معرض الذم والتحريم دلالة على ما ينطوي عليه تناولها من إلحاق الضرر والأذى بصحة الإنسان وعافيته،  وهو ما يندرج تحت مفهوم "حفظ النفس"  الذي هو من مقاصد الشريعة ومن غايات الرسالة. وقد يعتبر البعض أن في تحريم الأغذية الضارة في القرآن الكريم كالخمر والخنزير والميتة والدم وغيرها من الأطعمة المحرمة ضرباً من ضروب الإعجاز التشريعي للقرآن الكريم، وسبقاً تشريعياً حاز به القرآن قصب السبق، على اعتبار أن القرآن الكريم قد سبق العلم الحديث في تشريع تحريم تناول هذه الأطعمة بالنظر لما فيها من الضرر والمفسدة على صحة الجسم وعافيته، وهو ما يعده البعض كذلك جانباً من جوانب الصحة الوقائية التي أتت بها التشريعات والأحكام الإسلامية وسبقت بها مدارس العلم الحديث. كما هناك العديد من الإشارات القرآنية المبثوثة في ثنايا الايات والسور التي تسهم في ترشيد السلوك الغذائي وتوسيع المعرفة التغذوية، وقد تم الإشارة إليها في مقالنا السابق في مجلة المهندس الزراعي (العدد 79/2005) بعنوان "لمحات تغذوية في الكتاب الكريم والسنة النبوية".


وختاماً، فإننا مطالبين بأن ننظر إلى كل مفردة من مفردات حياتنا في إطار منظومة قيمنا التي أرساها القرآن الكريم والسنة النبوية وألا نفصل بينها وبين عقيدتنا وديننا، فالحياة، في منظور العقيدة الإسلامية، كلٌّ لا يتجزأ والعقيدة الإسلامية وشريعتها لم تترك في الحياة شاردة ولا واردة إلا نظمت العلاقة وأطر التعامل معها، إما تفصيلاً، كما هو الحال في الأمور الثابتة كأحكام الأسرة والميراث والطعام والشراب، وإما تأصيلاً، كما هو الحال في الأمور المتغيرة كأحكام النظم السياسية والاقتصادية.


([1]) أنظر في ظلال القرآن، سيد قطب، ج7، سورة الأنعام، ص90.

إقرأ 11557 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 25 أيلول/سبتمبر 2012 08:32
FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed