الإثنين, 14 أيار 2012 10:10

هل تعرف دمشق ياسيدي؟

كتبه  حنا مينه
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

damascusجئت دمشق أبحث عن عمل، في أحد دكاكين الحلاقة، لكن أحداً لم يقبلني عنده، وتعبت من البحث دون جدوى، إلى أن أشار علي صديق أن أعمل في الصحافة، وكان قد قرأ بعض كتاباتي وأنا حلاق في اللاذقية.
ذهبت إلى جريدة «الإنشاء» في بناية القدسي، مقابل البريد المركزي، وقابلت صاحب الجريدة المرحوم وجيه الحفار، فسألني عما احمل من شهادات،

 

وحين أجبته أنني لاأحمل إلا الشهادة الابتدائية، ابتسم اشفاقاً، فسارعت إلى إخراج قصاصات من ورق الصحف، فيها بعض كتاباتي، وبعد تفكير قال لي: «عليك أن تشتغل ثلاثة أشهر تحت التمرين دون أجر» أجبته: «ومن أين أنام وآكل أنا الغريب عن دمشق؟ قال: «هذا ليس شغلي!» ‏

قبلت العمل مجاناً، ورحت أنام هنا وهناك، وآكل ماتيسر الذي لايبلغ حد الشبع، وكان رئيسي المباشر في الجريدة، سكرتير التحرير المرحوم أحمد علوش، الإنسان الطيب التقدمي، والذي ذهب إلى صاحب الجريدة، في نهاية الشهر الأول، وقال له: «حنا محرر جيد، ونحن نحتاج إلى مثله» واقترح عليه أن يدفع لي أجراً، فقرر الاستاذ الحفار أن يدفع لي مئة ليرة سورية في الشهر، وهكذا صرت، أنا الحلاق، صحفياً بالمصادفة. ‏

كنت أسكن عند قريبة لي، في حي الحبوبي الرابع، فدفعت لها نصف راتبي أجرة سكن، وعشت بالنصف الباقي عيش تقتير، ورحت أطوف في دمشق ماشياً، قصد التعرف على أحيائها ومعالمها، وأكتب في الجريدة عن مشاهداتي، بأسلوب مقبول نسبياً، دون أن يخطر في بالي أن أكتب رواية عنها، ودون أن تكون كتابة الرواية واردة في حسابي، ووجدت مكتبة قبلت أن تعيرني بعض الكتب بأجر زهيد، على أن آخذ كتاباً فأقرؤه، ثم أعيده لآخذ غيره، وهكذا التهمت كتبها تدريجياً، دون أن أفعل ماسوف أتعلمه لاحقاً، وهو المطالعة على مكتب، أو حتى طاولة، وإلى جانب الكتاب ورقة أو دفتر، أسجل فيه ملاحظاتي، وإشارات استفهامي حول هذه القضية أو تلك، مع متابعة التطواف في شوارع دمشق، ودروبها، وأزقتها الضيقة، المتعرجة، في أحيائها القديمة. ‏


ولما بدأت كتابة الرواية فعلياً، في الأربعين من عمري، فكرت بكتابة رواية عن دمشق، غير أني وجدت معارفي عنها لاتشكل مادة مطاوعة لذلك، ثم كرت الأيام وأنا أفكر بكتابة هذه الرواية التي لن أكتبها أبداً، والسبب بسيط: هذه الرواية، لو كتبتها، تخصني أنا وحدي، وليس للناس علاقة بها، ففيها جرحي الذي تسببت الظروف، يوم جئتها فقيراً معدماً، في جعله ناغراً إلى أن أندمل، ولافائدة من الكلام على هذا الفقر الخاص، والذي كتبت عنه كثيراً، وباعدت بيني وبينه الأعوام، إضافة إلى أن التعتيم الفني، يقتضي تحويل ماهو خاص، إلى ماهو عام، أي أن ألمي كفرد، ينبغي أن يتناول ألم الناس الذين كانوا في مثل وضعي، وفي هذا إعادة فتح للجراح لامبرر له، باعتباره يدخل في سيرتي الذاتية، التي بدأت مع ثلاثية «بقايا صور- المستنقع- القطاف» وعلي أن أنتظر إلى أن تتكامل، فتبلغ مرحلة معاناتي القاسية في دمشق، ولئن رحلت قبل الوصول إليها فلن يخسر القراء شيئاً، مادامت حياتي كلها معاناة سوداء، منذ وعيت الوجود إلى أن اقتربت من الثمانين، التي قال عنها زهير بن أبي سلمى بيته الشعري المعروف. ‏

لقد كتبت روايتي «الياطر» (مرساة السفينة) قبل ثلاثين عاماً، وشاء القدر أن تكون أشهر رواياتي، وأن تطبع حتى الآن أكثر من سبع عشرة طبعة، وهي، كما يعرف القراء، الجزء الأول، الذي يتناول حياة زكريا المرسلني، وقتله زخريادس الخمار، وفراره إلى الغابة، والرواية، ككل، تتحدث، أصلاً، عن ابن زكريا، الذي قتل حسن الجربيدي، وتفاصيل هذا الجزء، وهو الثاني، حاضرة في ذهني، ولاأزال احتفظ بمخططها على الورق، بكل دقته وشروحه، إلا أنني، رغم إلحاح القراء، و«دار الآداب» ناشرة كتبي، على إكمال الرواية، فإنني لم أفعل، بسبب من أن اللياقة الجسدية والنفسية، التي كنت عليها، حين كتبت الجزء الأول، الياطر، قد اندثرت، تآكلت مع الزمن، صارت ورائي، ولو أقدمت على كتابة الجزء الثاني، فلن يكون بقوة الجزء السابق، لذلك أسوّف، وأماطل، وأعتزم، وأرتد عن عزمي خوفاً، مع أن هذا الخوف سيتبدد، أغلب الظن، ما إن أبدأ، إلا أنني لاأبدأ، ومن المرجح أن هذه البداية لن تكون، وأن الجزء الثاني لن يرى النور إلا بمعجزة. ‏

الخوف نفسه يتملكني كلما هممت بوضع رواية عن دمشق، وإني لأتساءل: لماذا هذا الخوف، وقد عشت كل هذا العمر في دمشق، كلما صح عزمي على أن أبدأ؟ ‏


ولماذا التردد في كتابة رواية عنها، مادمت قد اخترقت كتامة مجتمعها، وأصبحت أحد سكانها منذ خمسة وخمسين عاماً!؟ لاجواب، أو إنني أزوغ عن الجواب، لسبب نفسي مجهول، لاأدري لكنه، وحين أدري، إذا كانت ثمة فسحة باقية في العمر، سأفعل، سأكتب رواية هي الآن ملك الزمن الآتي، ملك الأيام الأجمل، التي لم أعشها بعد، حسب ناظم حكمت، وعندئذ سيقرؤني الناس في باطن أشيائي لاظاهرها، ويعرفون من سيرتي مايريدون، ويختلفون في هذه السيرة مايشاؤون، لأنه مكتوب في المزامير أن التي عرفتها كانت جنية القمر، وظلت هناك، متربعة على عرش القمر، وفي الليالي التي يصير فيها بدراً، ستبتسم ابتسامة الجوكاندا للأرض، وتهبط مع شعاعها إليها، وهذا من الجنون، أو من المستحيلات، وهو «وهم هذيت به من بعض أوهامي!» وزال الوهم الآن، ومعه جنون الشباب، عندما صرت، كغيري، عاقلاً في الشيخوخة! ‏

أما دمشق، المدينة الفريدة بين المدن، التي منها كانت حبيبة سليمان، ومنها الطريق المستقيم، والسور الذي قفز منه بولص، وبوابة خالد بن الوليد الشرقية، أما دمشق، هذه اللؤلؤة في تاج الزمن القديم قدم الأرض، ذات البهاء الذي لايوصف، والأهمية التاريخية النادرة، فإنني كتبت عنها خمسين كلمة، في خمسين سنة، وسأطلعكم عليها! ‏

رواية؟ لا! صورة وصفية، وهذا كل شيء، فالرواية لا تؤاتي، حين نريدها أن تؤاتي، ولاتنقاد لمجرد أننا نحبها أن تنقاد، الرواية مجنونة، كالروائي تماماً!

 

المصدر : www.mnaabr.com

إقرأ 3183 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 25 أيلول/سبتمبر 2012 08:32

البنود ذات الصلة (بواسطة علامة)

FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed