الإثنين, 16 تموز/يوليو 2012 04:43

نفوذ الانترنت على الصحة النفسية الجنسية

كتبه  د. سداد جواد التميمي
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

knowldge-managementلا شك ان عالم الاتصالات بين البشر قد تغير. ربما سيبدأ العالم في وضع القواعد و اللوائح القانونية في المستقبل القريب لتنظيم، او ربما تقييد، هذه الاتصالات، و لكنه لن يكون قادراً على التراجع الى الوراء و منع و حجب التواصل بين البشر عبر عالم الفضاء.
هناك العديد من  التشخيصات الطب نفسية التي يتم تحميلها عبر الانترنت و هي في متناول كل انسان هذه الايام.

 

تولد من جراء عالم لفضاء تشخيصات مرضية متعددة  في الصحة النفسية كان لها تأثيرها في صياغة و تصنيف الامراض النفسية، و سيكون ذلك واضحاً  عند صدور التصنيف الجديد للأمراض النفسية في عام 2014.  كذلك لعب هذا السلوك دوره في صياغة وعي الانسان و ادراكه لمختلف المشاكل و الامراض النفسية التي يمكن او يتصور انه يعاني منها، انواع العلاج المتوفر، و أحياناً تحدي الطبيب او المعالج النفسي عند تقديمه العلاج و الرعاية النفسية.
هناك حقل خاص من مجال الصحة النفسية  يتعلق بالسلوك و الحياة الجنسية الذي بدأ يلعب دوره عالمياً و خاصة في تلك البقاع من العالم التي لا تتوفر فيها الثقافة الجنسية و الحرية الجنسية كما هو ملاحظ في العالم الغربي و اجزاء متعددة من العالم الشرقي الاسيوي. كان من احدى نتائج انفجار عالم الاتصالات الفضائية ازدحام الاعلام الغير مراقب بشتى المعلومات التي يصعب تدقيق صحتها، و من هذه المور الصحة النفس جنسية.
هذا المقال محاولة لتفسير نفوذ الانترنت على الاستشارات النفس جنسية من الزوايا التالية:
•    حرية التعبير الفردي .
•    رفع درجة المعايير الفردية في السلوك الجنسي.
•    البعد الديني و طرح هذا الفكر عبر الانترنت.
•    تأثير العوامل اعلاه على الفرد.



الانترنت و حرية التعبير  :
تعطي الانترنت و مواقعها المختلفة الفرصة لكل انسان للتعبير عن رأيه و بكل حرية. قد يكشف الفرد عن هويته و ان شاء أخفاها، و حتى بريده الالكتروني لا يصعب تضليله و تغييره. على ضوء ذلك يشعر الانسان بثقة شبه كاملة بان ما يعبر عنه و يتحدث به سوف لا يعرضه لانتقاد جارح و عقوبات مدنية و حتى جنائية. 
هناك الكثير من الاستشارات التي تصل المواقع الالكترونية  حول المسائل الجنسية النفسية التي تصل الى المواقع الالكترونية1، من رجال و نساء، تتميز بكونها استثنائية في التعبير. هناك عدة تفسيرات لهذه الاستشارات:
1 قد يكون البعض منها امتداد لنسيج الخيال الذي لا حدود له للإنسان. هذا التفسير  يمكن رفضه في الغالبية العظمى من الاستشارات. جميع هذه الاستشارات تتميز بعفوية التعبير و عمق المعاناة النفسية. تلاحظ بعض التعليقات التي تنشر تؤكد ان معانة هذا الفرد ليست بالنادرة و في الكثير لا تصدر أي تعليقات تشكك في صدق الاستشارة.
2 التفسير الاكثر احتمالا هو ان هذه الشكاوي و الاستشارات ليست بالحديثة في المجتمع العربي، و لكن طرحها على الاصحاب و الاقارب او حتى استشارة طبيب فيها  كان صعباً للغاية، خوفاً من سخرية الناس و انتقاداتهم الجارحة.
لذلك يمكن ان الاستنتاج بان معظم هذه الاستشارات حقيقية او غير زائفة، و دوماً ما ترى الرجل و المرأة يحرصان على اخفاء الهوية، و يضاف الى ذلك ان اطار و محتوى الاستشارة يتميزان بالعفوية و المعاناة النفسية.
معايير السلوك الجنسي عبر الاعلام الانترنت:
يقضي الانسان في يومنا عدة ساعات امام شاة التلفاز و تفحص المجلات اللامعة و فحص المواقع الالكترونية الواحدة  بعد الاخرى. التلفاز يبرز الصورة قبل الخبر و يضاف الى ذلك  نجوم الفن و الدين في يومنا هذا هناك مقدمي البرامج من رجال و نساء الذي اصبحوا المعيار الذي يقيس به الانسان شكله و ملبسه و حديثه. يضاف الى ذلك العديد من المحطات التلفزيونية العربية الاباحية و الشائعة على جميع الاقمار الصناعية. اما المجلات اللامعة فهي تتميز بسطحية المحتوى الفكري فيها و ازدحامها  بالصور الملونة التي لا تخلوا الكثير منها  من الاثارة الجنسية. هناك العشرات من هذه المجلات
التي تصدر باللغة العربية، و معظمها ان لم تكن جميعها غير صالحة للقراءة. اما الانترنت في الوسيلة الوحيدة لتفحص ما تشاء من دون رقابة.
هناك العديد من المواقع الإباحية بلغات مختلفة و منها العربية، و من الصعب التأكد من مصدرها، التي بدأت تسطر معايير جديدة للإثارة و السلوك و المتعة الجنسية بعيدة عن الواقع. بالطبع لا يصعب الجزم من ان الغاية الاولى و الاخيرة لوجود مثل هذه المواقع تجاري بحت  يستهدف الفرد الحساس السريع التأثر الذي لم يوفق  الى سد احتياجاته العاطفية و الاجتماعية ، و لا المجتمع الذي يعيش فيه  يبالي به  او يمد يد العون اليه لسد احتياجات لا يمكن وصفها الا بالمشروعة.
من جراء ذلك ولدت ظاهرة جديدة تعرف بالإدمان الجنسي عبر الانترنت2 او الفضاء  Cybersex Addiction. هناك العديد من الكتب التي تطرقت الى هذا الامر و الى سبل علاجه. تكمن مشكلة هذه النشرات في افتقادها الى البحوث العلمية الدقيقة و استعمالها عينات بشرية معينة، و لكنها تكشف بوضوح بان هذا الوباء العالمي لا ينحصر في العالم العربي فقط كما يتصور البعض.
الموعظة الدينية عبر الاعلام و الانترنت:



العامل الثالث و الاخير الذي يلعب دوره و يحاول التسلط و النفوذ على الانسان و سلوكه الجنسي هو الفكر الديني.  ان الوعظ الديني عبر الفضاء لا يقتصر على الدين الاسلامي فقط و انما يشاركه في ذلك جميع الاديان السماوية و غير السماوية. لمن يتتبع القنوات الفضائية العربية سيلاحظ ان المواعظ الدينية لا تقتصر على قنوات خاصة و انما هناك الكثير من القنوات العامة الاخبارية و الترفيهية التي تتنافس على بث هذه البرامج بصورة منتظمة. اصبحت القنوات مصدراً لأطلاق الفتاوى الدينية بدون قيود، و خلقت ايضاً نجوماً ينافسون نجوم السينما و التلفاز في تأثيرهم على الرجال و
النساء. 
كذلك هناك العديد من المنتجات الدينية الصوتية و البصرية التي يكتظ بها السوق العربي، و التنافس على اشده على شبكات الانترنت. ما عليك الا ان تتبع شبكة الفيس بوك الاجتماعية و التوتر لتدرك بان عالم الفضاء انتج العديد من رجال الدين و بمختلف الاعمار. كما هو الحال مع السيرة الشخصية لرجال ونساء الفن، فان سلوك رجال الدين له تأثيره على العامة من الناس، و بعضها  لا تخلوا من الأثارة حيث في كونه  مزواجاً مطلاقاً. 
يفتي الكثير من رجال الدين في مسائل السلوك الفردي الجنسي . السبب في ذلك يعود ان القواعد القانونية في الاحوال المدنية و القضايا الجنائية خاضعة للسلطتين التشريعية و التنفيذية في كل قطر عربي، اما قواعد السلوك الفردي و التواصل بين الجنسين فهي خارج هذه الصلاحيات و لا تعني السلطات بها من قريب او بعيد. من جراء ذلك يصعب على الانسان العربي ان يفهم قانونية و شرعية العلاقات الجنسية بين الجنسين  المصاغة باطار ديني الى حد ما مثل زواج المسيار، زواج المتعة، و الزوج العرفي. هذه العلاقات الجنسية بين الرجل و المرأة هي من اختصاص الفتاوى الدينية و لا أظن انها من
اختصاص السلطات المدنية في أي بلد عربي، و ان كنت غير واثقاً من هذا.
لا يتوقف تدخل رجال الدين في انواع الزيجات الشبه قانونية و انما يشمل التدخل بكل ما له علاقة مباشرة او غير مباشرة بالسلوك الجنسي للفرد مثل زينة المرأة و الرجل، ممارسة العادة السرية، و الجماع بين المرأة و الرجل. يتم تصويب هذه الآراء نحو الناس باستقطاب واضح لا تزيد المستلم منها الا الارتباك.
ان علاقة السلوك الجنسي الفردي و في المجتمع عامة  مع الشرائع الدينية ليست حديثة. يمكن ان نتفحص تاريخ هذه العلاقات بين الاديان و السلوك الجنسي  بدراسة التاريخ الاوربي الحديث. في بداية القرن السادس عشر و مع بداية الانقسام  الكنيسة و ولادة الحركة البروتستانتية، كان المفهوم السائد ان السلطات الدينية الكاثوليكية قد فقدت سيطرتها على السلوك الاجتماعي و مواقفها من السلوك الجنسي اللاأخلاقي لم يكن متساهلاً فحسب و انما مضللاً للراي العام.
كان الراي العام ينادي بضرورة اصدار اشد العقوبات الصارمة بحق كل زاني و زانية. كان التطرف على اشده من البروتستانت  و توجيهم الاتهام بعد الاخر  الى الفاتيكان حتى بدأ البعض يطلق عل روما اسم عاهرة بابل3. كان الاعتقاد السائد ايامها ان من الغباء ترك اجتهاد المسائل  الاخلاقية الدينية و الجنسية لعامة البشر،  لانهم و ان كانوا ذي نية حسنة فهم يفتقرون الى ذلك البعد الروحي و الفكري لتسيير أمور حياتهم. بعبارة أخرى لا بد من اصدار الفتوى بعد الاخرى لتنبيه المواطن الى محاسن الاخلاق و السلوك الجنسي.


ان من يتتبع الاحداث في العالم العربي يمكنه ان يستنج بان هذا هو الرأي السائد اجتماعيا في عصرنا هذا.

كان هذه النظرة تجاه السلوك الجنسي شائعة في الكثير من البلاد الغربية مثل هولندا  و بريطانيان و لكنها تضاءلت تدريجيا مع قيام الحركات البرلمانية الاوربية و قيام القوانين المدنية. حاول الكثير اصدار القوانين لمراقبة السلوك الجنسي و اصدار العقوبات بحق المخالفين، و لكنها تدريجياً بدأت تبوء بالفشل حتى ادرك رجال السياسة ان من لم يحسن سلوكه بعد قراءة و استيعاب الكتب المقدسة، فلا أمل من يغير سلوكه رجوعاً الى قوانين مدنية.  كان عام 1746 هو الاخير الذي تم فيه ادانة مواطن ارتكب الزنا في انكلترا.
منذ تلك الهزة الارضية التي عصفت بالعالم الغربي و ما نسميه عهد التنوير، تغيرت المفاهيم  و بدأت الناس تتحدث عن حرية الضمير،  و بعدها بدأت الحرية الجنسية تنتشر في جميع بقاع العالم الغربي منذ القرن الثامن عشر. اصبحت مسؤولية العقاب في الأخرة على عاتق الانسان نفسه بدون وساطة رجال الدين. لم يصل العالم العربي و الاسلامي الى هذه المرحلة بعد و لكن يجب ان ندرك بان  تعريف الحرية الشخصية بعد قيام عصر النهضة و ولادة الديمقراطية الحديثة كان تعريفاً قانونياً و سياسياً.  توسع هذا التعريف في بداية القرن الثامن عشر  و بدأ يشمل ليس فقط الحرية الروحية و العقائدية و
لكن الحرية الاخلاقية و منها حرية السلوك الجنسي. لا أظن بان العالم العربي لديه المناعة لتصدي لهذا الامر مستقبلاً.
رغم ذلك فان  على عكس ما يتصور الكثير فان السلوك الاخلاقي الجنسي في العالم الغربي ليس بالمبتذل، و ان الغلو في هذا السلوك لا تلاحظه الا في الاقلية من السكان و ليس له تأثير على أخلاقية الغالبية العظمى من المجموعات البشرية. لا أحد يعني بما يفعله الغلاة ما دام الامر لا يمس الاخرين بسوء. أحد مظاهر هذا الغلو كان يتمثل بوجود صالات عرض سينمائية للأفلام الخلاعية، و لكن دور العرض هذه انتهى امرها تقريباً. هناك مجلات خلاعية لا يتفحصها الا القليل، و هناك مواقع اباحية على الانترنت قلما يعني بها الغالبية العظمى من الناس.

التنافر الفكري:
يمكن توضيح ما تم طرحه اعلاه بتفحص المخطط اعلاه. تتميز جميع العوامل اعلاه بكونها فكرية في طرحها و محتواها. هناك الكثير من البشر الذي لديهم المقدرة بحسم هذا التنافر الفكري اعتماداً على ظروفهم الشخصية، العائلية، التعليمية و الاقتصادية. من اهم العوامل التي تساعد في التخلص من هذا التنافر الفكري هو وجود شبكة اجتماعية حقيقية تساند الفرد ايام  محنته. بدون وجود شبكة اجتماعية مساندة يستمر الفرد في استلام التناقضات الفكرية المتعددة و يزيد من عدد اصحابه على الانترنت و مراسلة الشبكات المتعددة و الجلوس لفترات أطول امام شاشة التلفزيون.
يمكن تصنيف المضاعفات الناتجة من جراء التنافر الفكري اعلاه كما يلي:
1 الشعور بالتهميش الشخصي اجتماعياً.
2 ارتباك نفسي  من جراء انتشار الهوية الفردية.
3 تغير في السلوك الفردي و ممارسات جنسية شخصية ذات اثار سلبية على معنويات الفرد و تقته بالنفس.
4 شعوره بالانهيار معنوياً و نفسياً و يتبع ذلك احتمال تطبيب الحالة بصورة عفوية.
يستوجب على الطبيب النفسي الانتباه الى مسالة التنافر الفكري عند صياغة الحالات اعلاه و الابتعاد قدر الامكان عن الاصرار على استعمال النموذج الطبي فقط. قد يكون للعلاج الطبي دوره لفترة زمنية محدودة و لكنه قلما يوفر الشفاء و قد يضع المريض في فخ الاعتقاد بانه مصاب بمرض عقلي مزمن لا سبيل الى الخروج منه.
ان التنافر الفكري في الحالات اعلاه اشبه بمنزلٍ شب فيه حريق مدمر، و من في داخله لا يرى علامة او سهماً يشير الى الخروج. هذا حال الكثير من ابتلوا بالتناقضات الفكرية من مواقع دينية و اباحية و غيرها و يبدوا ان الاعلام و الأنترنت على راسها هو مصدر النار التي تلتهم الفرد احياناً.



مصادر:
1 تفحص موقع مجانين  و حقل الاستشارات عام 2012.
2ـ أنظر في كتاب Internet Addiction: A handbook and Guide to Evaluation and Treatment(2010). الاشارة الى هذا الموضوع من صفحة 113 الى 134.
3 أنظر في كتاب عام of Ireland. 1713 John Ramsay: A sermon Preached to The Protestants

 

 

المصدر : www.m3arej.com

إقرأ 3953 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 25 أيلول/سبتمبر 2012 08:32
FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed