الأحد, 13 أيار 2012 10:45

مصارعة الثيران رياضة أم ماذا؟؟

كتبه  د.زياد الحكيم
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

taurusيقول محبّو مصارعة الثيران إنها أشبه برقصة باليه مع الموت، ففي أثناء المواجهة يتعين على المصارع أن يسيطر سيطرة كاملة على كل حركة من حركاته بإيقاعية بالغة الدقة. وإذا أخطأ راقص الباليه على الخشبة فان بإمكانه أن يصحح وان يواصل الرقص. أما في الحلبة فإذا أخطأ المصارع فذلك قد يعني موت نجم الدراما. وينبثق اللون الفني للمصارعة من براعة المصارع في جعل نفسه سيد العلاقة مع الثور بحيث لا يتمكّن الثور من السيطرة.

 

وسجل فنانون تشكيليون من أمثال الأسباني فرانسيسكو دا غويا مشاهد من مصارعة الثيران في لوحات خالدة. وكذلك فعل الفرنسي ادوارد مانيه والأسباني بابلو بيكاسو. وسجل كتاب روائيون مشاهد من مهرجانات المصارعة من أمثال الأسباني فينثيت بلا سكو ايبانيث في روايته (الدم والرمل) 1908.

وكتب الكاتب الأمريكي ارنست همنغواي كتابا كاملا عن مصارعة الثيران بعنوان "موت بعد الظهيرة"، قال انه مقدمة لفن مصارعة الثيران الحديث في أسبانيا ومحاولة لشرح هذا الفن من الجوانب العملية والعاطفية، مما يجعل الكتاب في رأي كثير من النقاد أفضل ما كتب عن مصارعة الثيران في أي لغة عالمية. ويشرح الكاتب الفصول الثلاثة المتتالية للمصارعة والأدوات المستعملة والحركات والأساليب المختلفة. ويلحق بالكتاب قائمة بالعبارات المستعملة في المصارعة.

ويقول همنغواي إن مصارعة الثيران هي الفن الوحيد الذي يتعرض فيه الفنان لخطر الموت، ويتوقف شرفه فيه على درجة الدقة والتوازن في الأداء. والمصارعة في نظر همنغواي ليست رياضة ولكنها في الواقع خبرة جمالية وعرض أشبه بطقوس المأساة والموت التي يتخلص المشاهد من خلالها من مشاعر الخوف والشفقة بالمعنى الذي رمى إليه أرسطو. ويقول الكاتب الأمريكي في كتابه هذا إنه ذهب إلى أسبانيا أول مرة ليشاهد مصارعة الثيران لان أسبانيا هي المكان الوحيد الذي يستطيع فيه بعد الحرب أن يدرس الموت، وهو الموضوع الذي يريد أن يكتب عنه أكثر من أي موضوع آخر.


يعتبر كثير من الأسبان مصارعة الثيران جزءا لا يتجزأ من الثقافة الوطنية لبلادهم. وهي قبل كل شيء عرض للبراعة والشجاعة من جانب كل المشاركين فيها بما في ذلك الثور. ومع أنه في العادة لا يشك أحد في أن المصارع سيتغلب على الثور وأن المصارعة ستنتهي بمقتل الثور إلا أن الثور لا يعتبر ضحية. بل ينظر إليه الجمهور في الحلبة على أنه مصارع هو الآخر يستحق الاحترام. وإذا كان المصارع ضعيفا فإن الجمهور لا يجد بأسا في منح تعاطفه للثور، بل إن الجمهور يصفق له ويشجعه. أما المصارع في هذه الحالة فيجد نفسه عرضة للتوبيخ والسخرية عند خروجه من الحلبة.

وينتظر الجمهور أن يقدم المصارع عرضا بأسلوب رفيع وشجاعة عالية وأن يتسم أداء الثور بالشراسة والتصميم والعناد. وإذا كان الهدف في أي رياضة هو الفوز فإن ذلك يعني أن الجمهور الرياضي يثار بما يسجله الرياضيون من نقاط. في مصارعة الثيران ليس هناك تسجيل نقاط، بل تكمن المتعة في ترقب الفوز المتوقع أو المرجو للحيلة البشرية على القوة الحيوانية الطاغية، ويصفق الجمهور عند مقتل الثور ليس لفوز المصارع، ولكن للأداء والرشاقة والبراعة التي أبداها المصارع في التغلب على الثور.

 

ثلاثة فصول

في حفل المصارعة الواحد يواجه ثلاثة مصارعين (الماتادور) ستة ثيران، وتستغرق كل مواجهة 15 دقيقة. يبدأ الحفل في العادة عند الساعة الخامسة بعد الظهر بدخول المصارعين الثلاثة الحلبة، يلحق بهم مساعدوهم، على أصوات موسيقا تقليدية إيقاعية. والمصارعون هم نجوم الحفل، ويحصلون على أجور عالية تصل إلى 25 ألف دولار لكل حفل. ويلبسون زيا متميزا مؤلفا من سترة موشاة بالذهب، وسروالا ضيقا وقبعة. وقد تصل تكلفة هذا الزي إلى عدة آلاف من الدولارات. ويبتاع المصارع في العادة ما لا يقل عن ستة أطقم في الموسم الواحد.

عندما يدخل الثور الهائج من بوابة الحظيرة إلى الحلبة يستقبله المصارع بجملة من الحركات المتسمة بالخفة والرشاقة، وتزداد حماسة الجمهور عندما يقترب المصارع من قرني الثور بجرأة وشجاعة. ويهاجم الثور بشكل غرزي الستارة الحمراء ليس لأنها حمراء ولكن لأنها تتحرك، وكان يمكن أن تكون صفراء أو خضراء أو بأي لون آخر، ولكن جرت العادة على أن تكون حمراء.


ويهاجم الثور كل شيء يتحرك أمامه بالغريزة الطبيعية ونتيجة للتربية والترويض الخاص الممتد مئات السنين. فالثور المخصص للمصارعة يختلف عن غيره من الثيران المدجنة في أنه لا يحتاج إلى تدريب خاص في المصارعة، كما انه لا يخضع للتجويع أو التعذيب لجعله أكثر شراسة وعدوانية. ويبلغ الثور المخصص للمصارعة أربع سنوات من العمر، في حين يربى الثور المخصص لأغراض أخرى ثلاث سنوات. وإذا كان المصارعون المتمرسون يواجهون في الحلبة ثيرانا تبلغ أربع سنوات من العمر، فانه لا يسمح للمصارعين المبتدئين بمواجهة ثيران عمرها أكثر من ثلاث سنوات.

في الفصل الثاني من المصارعة يدخل الفرسان (البيكادور) إلى الحلبة، ممتطين صهوات جياد معصوبة العيون ومدرعة الجانبين لحمايتها من قرني الثور. وقد استحدثت هذه الدروع بمرسوم صدر عام 1930 لحماية الجياد. ويرتدي الفارس قبعة مسطحة بنية اللون وسترة موشاة بالفضة، وسروالا من جلد الشامواه. ويحمي ساقيه بدرعين قويين. ويوجه الفارس ثلاث طعنات إلى العمود الفقري للثور برمح حاد لإضعافه. ثم يأمر راعي الحفل بإطلاق الأبواق، فيتقدم المساعدون المشاة من الثور للقيام بحركات رشيقة تنتهي بغرس قصبات ذات أشرطة ملونة من جانب ورأس شائك من الجانب الآخر في ظهره، فيضعف ذلك من عضلات الرقبة عند الثور ويجعل رأسه منحيا إلى أسفل، استعدادا للقتل. ويلبس المصارعون المشاة أزياء تشبه زي المصارع، ولكن ستراتهم وسراويلهم موشاة بالفضة.

يبدأ الفصل الثالث من المصارعة بانطلاق أصوات الأبواق. ومع أن الثور في هذه المرحلة يكون قد فقد الكثير من الدم وغدا أضعف وأبطأ حركة إلا أنه لا يزال شرسا وبالغ الخطورة. ويتعرض كثير من المصارعين لحوادث قد تودي بحياتهم في هذه المرحلة من المواجهة. ولا يزال يغلب على الثور الإحساس بان عدوه متربص له خلف الستارة المتحركة. وهنا يحرص المصارع على تركيز انتباهه على الخطر الجاثم أمامه وضرورة السيطرة عليه، محتفظا بتوازن بالغ الحساسية بين إمكانية أن ينقض عليه الثور فيقضي عليه ورغبة جامحة في النجاة بنفسه من الموت. وبعبارة أخرى فان الصراع الحقيقي، بشكل من الأشكال، ليس بين المصارع والثور، ولكن بين ما يدور داخل عقل المصارع من شجاعة وخوف.


ويتفنن المصارع في اللعب مع الثور، فيقوم بحركات شديدة الخطورة كأن يجلس على إحدى ركبتيه في مواجهة الثور الذي يحدق إليه، أو يحرك الستارة أمام أنف الثور بينما يظل واقفا دون حراك، أو يدير ظهره للثور ويسير مبتعدا عنه بخطى واثقة ثابتة كما لو أنه درس ما يدور في ذهن الثور وعرف ما يمكن أن يقوم به. والهدف من هذه الحركات هو استعراض براعته وإثارة الجمهور المتفرج. وبعد عدة دقائق من هذه الحركات يستل المصارع السيف ويقف في مواجهة الثور الذي بلغ به الآن الإرهاق كل مبلغ، وفقد كميات كبيرة من الدم، وربما فقد الرغبة في مواصلة الصراع. ويصوّب المصارع السيف نحو تلك النقطة الواقعة بين عظمي الكتف. في هذه الأثناء لا بد أن تكون القائمتان الأماميتان للثور بمحاذاة بعضهما بعضا في الوقت الذي يصوب فيه المصارع السيف ليطعنه في الظهر. ويندفع المصارع بالسيف نحو الثور من أمام، فيغوص السيف في الأعماق ويصيب القلب، فينزف الثور نزفا داخليا إلى أن ينفق. ويتطلب ذلك من المصارع كثيرا من الانضباط والتدريب والشجاعة الخالصة، ولذلك تعرف هذه اللحظة بلحظة المواجهة الحقيقية.

إذا تمكن المصارع من قتل الثور بسرعة فإنه ينال من الجمهور تصفيقا حادا، ويرشقه الجمهور بالورد والقبعات، ويعبر الناس عن استحسانهم وإعجابهم بمهارة المصارعة بالتلويح بالمناديل البيضاء، وفي ذلك دعوة لراعي الحفل أن يكافىء المصارع بمنحه إحدى أذني الثور القتيل أو ذيله. وإذا كان الثور قد أظهر براعة في المصارعة فإنه يتلقى هو الآخر موجة من التصفيق في الوقت الذي يجره إلى خارج الحلبة فريق من الخيول. وفي حالات قليلة، إذا أبدى الثور شجاعة أو قوة نادرة ولم يتمكن المصارع من قتله فإنه قد يسمح له بالعودة إلى مزرعته ليعيش بقية حياته في سلام.

أما إذا اضطر المصارع إلى تسديد ضربة ثانية ليقضي على الثور، فهذا يعتبر عيبا في أدائه. وفي حالة الاضطرار إلى ضربة ثالثة فذلك يعني أن المصارع لم يوفق في المباراة. ومع أن الضربة الأخيرة التي يسددها المصارع للثور هي ضربة قاتلة في العادة إلا أن الثور قد يستغرق بعض الوقت ليموت، ولذلك فان أحد المساعدين يطعن الثور بخنجر صغير في الرأس فيقضي عليه في الحال.


تاريخ ممتد

يعود تاريخ مصارعة الثيران بشكل أو بآخر إلى حوالي عام 2000 قبل الميلاد. فهناك من اللوحات الجدارية الفنية التي تنسب إلى ذلك التاريخ ما يعرض لمصارع يواجه ثورا يمسك بقرنيه ويطعنه في الظهر. وكانت مصارعة الثيران من المباريات الشعبية في روما القديمة، ولكنها لم تتطور تطورا كبيرا إلا في شبه الجزيرة الايبيرية، فالعرب الذي جاؤوا إلى الأندلس في القرن الثامن أدخلوا على المصارعة تحسينات كبيرة فحوّلوها من صراع دموي وحشي لا شكل له إلى مناسبة طقسية ترتبط بأيام المهرجانات والمناسبات العامة التي يواجه الفرسان فيها الثيران ويقتلونها.

وفي أثناء عهد الملك فيليب الثاني في القرن السادس عشر أصدر بابا الفاتيكان بيوس الخامس حظرا على مصارعة الثيران معتبرا إياها رياضة دموية غير متكافئة. ولكن الأسبان تجاهلوا الحظر البابوي وواصلوا إقامة مباريات المصارعة مما اضطر البابا إلى إلغاء المرسوم بمنع المصارعة عملا بنصيحة الكاتب لويس دو لين الذي قال "إن حب مصارعة الثيران يجري في دم الشعب الأسباني، ولا يمكن منع المصارعة دون التسبب بوقوع مشكلات كبيرة."

وشيئا فشيئا تخلت الطبقات الأرستقراطية عن المصارعة كلون من ألوان الترفيه عن نفسها، فتلقفتها الطبقات الشعبية ومارستها بحماسة شديدة، معتبرة إياها رمزا من الرموز الثقافية الأسبانية.

ولم يطرأ على مصارعة الثيران التي نعرفها اليوم تعديلات كثيرة منذ حوالي عام 1727 عندما استحدث فرانسيسكو روميرو في مدينة روندا الأسبانية استخدام السيف في قتل الثور. وتحول روميرو من إنسان بسيط إلى أسطورة تتغنى به الأغنيات الشعبية حتى اليوم. ويذكر التاريخ أيضا مصارعين آخرين ساروا على خطى روميرو من أمثال رفائيل مولينا وبيلمونتي ومانوليتي الذين دفعوا بمصارعة الثيران إلى مستويات عالية من النضج، وساهم كل منهم في جعل المصارعة على ما هي عليه اليوم في الدول الناطقة بالأسبانية وفي فرنسا والبرتغال.



موقف جمعيات الرفق بالحيوان

ولكن مصارعة الثيران تعتبر منذ سنوات طويلة مثيرة لجدل واسع، وهي تواجه خارج أسبانيا خصوصا، وداخلها بشكل متزايد، انتقادا شديدا فتوصف بأنها رياضة دموية مثيرة للغثيان. وتقوم جمعيات الدفاع عن حقوق الحيوان بحملات ضدها لما تسببه من موت بطيء ومؤلم للحيوان. وقد حظرت المصارعة في معظم البلاد.

وتشير جمعيات الدفاع عن حقوق الحيوان إلى انه بالإضافة إلى ما يتعرض له الثور من ألم ومعاناة داخل الحلبة فانه في أغلب الأحيان يتعرض لآلام مبرحة قبل المواجهة بقليل، فتدخل في عينيه مادة الفازلين لإضعاف قدرته على الإبصار، ويبرد قرناه للتقليل من قدرته على التصويب الصحيح، وترمى أكياس ثقيلة على كليتيه لجعله أكثر شراسة، ويعطى أحيانا مهدئات كيماوية. وجمعيات حقوق الحيوان جادة في محاربة مصارعة الثيران التي يبدو أنها في طريقها إلى زوال.

 

المصدر : www.mnaabr.com

إقرأ 5958 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 25 أيلول/سبتمبر 2012 08:32
FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed