الأحد, 05 آب/أغسطس 2012 05:02

لم أعد أبكي!

كتبه  مرام عبدالرحمن مكاوي
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

saudi-womanسأنبه ابتداء بأن هذا العنوان المميز ليس من إبداعات قريحتي، بل هو عنوان رواية للروائية السعودية المعروفة الأستاذة زينب حفني، حدثتني عنها أختٌ عزيزة، وقررتُ أن أقرأه في أقرب فرصة، ولكنه أعجبني، ولذلك سأستعيره هنا بعد إذن الكاتبة الموقرة.
بدأت القصة حين استغربت غياب صديقتي العزيزة، وعدم ردها على رسائلي الإلكترونية، واختفائها لبعض الوقت، فقلقت عليها، وحين وصلتني رسالة منها،

 

عرفت أنها قد انفصلت عن زوجها، وأنها كانت مشغولة بالانتقال وحدها إلى منزل جديد، وترتيب وضع ابنتها، حيث إنها تقيم بعيداً عن أهلها. فاجأني الأمر كثيراً، وأحزنني أكثر، وبعثت لها برسالة تقطر حزناً ومواساة، حتى إنني شعرت في النهاية بأنني صاحبة المشكلة! كنت حزينة لأن صديقتي هذه مميزة جداً، متفوقة جداً، وقد صارت اليوم علماً في مجالها، متفوقة على أترابها من الرجال والنساء. والجميل في حكايتها التي قد أرويها ذات يوم، هو أنها نحتت في الصخر فعلاً، فقد أتت من بيئة بسيطة، وسكنت حياً شعبياً، وكان أهلها على طيبتهم قساة في تربيتها، ومع ذلك فقد لامست بإنجازاتها عنان السماء. صديقتي هذه فريدة، وسأقولها بصراحة، إنها الوحيدة من جيلي وصديقاتي التي أنظر إليها بهذه الدرجة من الغبطة والإكبار..وببعض الغيرة أحياناً! وكانت في ذهني مثالاً للمرأة الناجحة في عملها وحياتها الأسرية بعد زواجها وإنجابها، ولما كنت أعرف شيئاً عن معاناتها السابقة، فقد أردتها أن تكون سعيدة، لأنها تعبت كثيراً، ولذلك فخبر طلاقها كان خبراً كارثياً بالنسبة لي.
لكنني حين قرأت ردودها، بدا الأمر وكأنها هي التي تواسيني! فقد أخبرتني بأن عليّ أن أهدأ قليلاً، وأن الأمر لا يستحق. قالت صديقتي إنها اتخذت قرارها بعد تدبر وتفكير، وبعد أن وصلت إلى طريق مسدود مع زوجها بعد أربع سنوات من الزواج. وإنها قررت أن الحياة تستحق أن تعاش بسعادة وراحة بال، فانفصلت عنه، ولأنها امرأة قوية ومستقلة مادياً ونفسياً، فقد علمتها الحياة كثيراً، فسرعان ما تأقلمت مع الوضع الجديد، وهاهي تواصل حياتها، وتخطط لإجازة صيفية سعيدة. تقول صديقتي: "أنا الآن مرتاحة ومستقرة نفسياً.. وأشعر بأنني واثقة من نفسي وحتى من شكلي في حين أنني لم أكن أشعر بذلك في بيت الزوجية". وأسرت إليّ بنصيحة ثمينة: "إذا لم يكن الرجل يحبك لذاتك، وللشخص الذي أنتِ عليه كإنسان، فلا يمكن أن تجعليه سعيداً مهما حاولتِ إرضاءه..هذا ما أدركته من زواجي الفاشل". وعندها لم يبق لي سوى أن أدعو لصديقتي بالتوفيق، وأن أوصيها بأن تأخذ وقتاً مستقطعاً بحيث لا تفكر الآن في عروض الزواج الكثيرة التي انهالت عليها في نفس الفترة التي انفصلت فيها عن زوجها، إلا بعد أن تتخلص تماماً من رواسب الماضي.



الجميل في هذه القصة، أنها قصة نجاح، أو في أسوأ الأحوال قصة صمود وكفاح امرأة مطلقة، في بلد يعتبر فيه حتى بعض أفضل الناس تعليماً الانفصال نهاية الحياة الدنيا للمرأة، بحيث إن أغلب النساء مهما بلغت درجة استقلالهن المادي يصبرن على علاقات زوجية مؤلمة وسيئة..وقاتلة لنفسياتهن.
فعلى الطرف المقابل هناك صديقة أخرى عزيزة أيضاً، متعلمة وجذابة جداً ولطيفة، تعيش أوضاعاً صعبة مع زوج عنيف، بذيء اللسان، يتصرف معها وكأنه الآمر الناهي في هذه الحياة، ويطلب منها أموراً غير منطقية، فقط ليختبر طاعتها له. صديقتي هذه لا تفكر بطلب الانفصال، من أجل ولديها كما تقول، ولكن في الحقيقة فإن ما يمنعها هو خوفها من الحياة كامرأة مطلقة، لأنها لا تعرف كيف ستتصرف، وبالتالي فهي تعيش حياة بائسة، مع زوج لا يقدرها، وتتحول شيئاً فشيئاً إلى إنسانة سوداوية ويائسة من الحياة، تزور العيادات النفسية خلسة وهي بعد في أواسط العشرين.
الملفت للانتباه، أن الصديقتين تلقيان على والديهما بجزء من المسؤولية في فشل هذه الزيجات بسبب طريقة التربية. فالأولى تقول إن عنف والديها جعلها تشعر بأن كل شيء يمكن أن يؤخذ بالقوة فقط، وأن عليها أن تدافع عن نفسها مهما يكن. وتعرضت الصديقة الثانية للشيء ذاته، ولم تعلمها والدتها أبداً كيف تتصرف مع الناس، بل كانت تقول لها يجب أن تخبريني بكل شيء وأنا أقرر إن كان صواباً أو خطأ، ولم يكن لها تجارب في الحياة كما هي الحال مع أغلب النساء في بلادنا، حيث لا يمكن أن تتعلمي الكثير وأنتِ في البيت وتتحركين في دائرة ضيقة، ولكن ردة فعلها كانت العكس! أي إن ذلك جعلها خانعة ومستسلمة منذ البداية لزوج يعتقد، على ما يبدو، أنه نبي معصوم! ولعل هذا يطرح إشكالية الزواج المبكر في عالم اليوم المعقد، لا سيما ونسب الطلاق الأعلى، حسب الدراسات العددية التي نقرأ عنها، تشير إلى أنه يقع في هذه الفئة.
هل هذا المقال إذن دعوة للطلاق وللترغيب فيه وهو أبغض الحلال؟
الجواب هو بالتأكيد لا! لكن هناك ثلاثة أمور جديرة بالانتباه:
الأول: على الفتاة ألا تتنازل عن طلب العلم والمعرفة وعن البحث عن وظيفة جيدة تقيها عثرات الزمن، فهذا الاستقلال المادي والمعنوي، لا يجعلها تزهد في بيتها وزوجها كما يعتقد بعض الرجال من مهزوزي الشخصية، وإنما يجعلها قادرة على التفكير بحرية (قبل وبعد الزواج)، وفي اتخاذ القرارات المناسبة دون أن تخشى ذل المسألة، أو أن تصبح عبئاً على أهلٍ سيتخلصون منها مع أول طارق للباب! وما أجمل أن يعرف الرجل أن زوجته تعيش معه لأنها تحبه وتريده ولا تستطيع أن تبتعد عنه عاطفياً، وليس لأنه ليس أمامها خيار آخر على طريقة مجبر أخاك لا بطل.
الثاني: إن الطلاق أبغض الحلال نعم، ولكنه حلال وأباحه المشرع لحكمة يعلمها، وهو أنه لم يخلق كل الناس ليكونوا متوائمين، وأيضاً لأن المرء يعيش في الحياة الدنيا لمرة واحدة، ومن حقه أن يعيش بسعادة ورضا مع شخص يقدره. وبالتالي إذا تأزمت العلاقة بين شخصين إلى درجة أن الإنسان بدأ يكره نفسه، أو يكره الحياة نفسها، وحلت الغلظة والنفور محل السكن والرحمة، فلا يجب أن تخجل امرأة ما (أو رجل) من طلب الطلاق، وسيغني الله كلاً من سعته. وحتى الأطفال فربما من الأفضل أن يعيشوا مع أحد الوالدين باطمئنان بدل أن يشهدوا علاقة عنيفة تدمر حياتهم مستقبلاً. والطلاق وقع في زمن الصحابة، وتطلقت بعض الصحابيات، وتزوج الرسول صلى الله عليه وسلم من مطلقة وهي السيدة (زينب بنت جحش) طليقة زيد بن حارثة رضوان الله عليهما، فلا يجب أن يشعر رجل بأن زواجه من مطلقة عيب، فلن يكون خيراً من خير البشر.



الثالث: إن تربيتنا لأولادنا، وزرع الثقة في أنفسهم، والسماح لهم بأن يتعلموا من أخطائهم، وإحاطتهم بالحب بلا دلال زائد، ليست فقط تبني ثقتهم بأنفسهم، وشخصياتهم، بل وتؤثر بشكل كبير على نجاحهم على الصعيد العائلي والاجتماعي مستقبلاً. فكلتا الصديقتين تعرضتا للإساءة من الوالدين، وفي المقابل فإن كلا الزوجين كانا وحيدي أبويهما وبالتالي فإن الدلال الزائد جعلهما دون مستوى المسؤولية لأن يقودا دفة أسرة. فالأم التي ترى أن الزمان لم يجد بمثل ابنها، وتجعله يعتقد ذلك، فإنما هي ترتكب جريمة في حقه وحق المجتمع الذي سيعاني من وجود طفل مدلل كبير.
أخيراً، تحية لكل مطلقة ناجحة، تلك التي حاولت حتى اللحظة الأخيرة أن تنقذ زواجها، ولكنها حين أدركت عبثية ما تقوم به بسبب عدم استجابة الطرف الآخر، لم تجبن عن اتخاذ القرار الصحيح، وعملت بجد بعد ذلك لتحيا بكبرياء وشرف وكرامة وعفة واستقلالية، وحاولت أيضاً ألا تدع هذه الأمور تؤثر على أطفالها، وصبرت حتى عوضها الله خيراً. فهذه امرأة خرجت من الشرنقة.. طفلة كبرت ولم تعد تبكي!

 

 

 

المصدر : www.marammeccawy.maktoobblog.com

إقرأ 5108 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 25 أيلول/سبتمبر 2012 08:32
FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed