الأحد, 15 تموز/يوليو 2012 20:19

خزعبلات أم حقائق

كتبه  مرام عبدالرحمن مكاوي
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

magicحينما ظهرت روايات (هاري بوتر) الشهيرة، للكاتبه كي جي رولنغ، واكتسحت الأسواق لم أهرع لالتقط نسخة منها، بل لم افكر بذلك أصلاً، فما الذي سيغري طالبة جامعية بأن تقرأ قصة خيالة للأطفال؟ ولذا حين وجدتُ _بعد سنوات_نسخة من آخر كتاب في السلسلة على مكتب زميلتي في مجموعة البحث في الجامعة، جلستُ أشاغبها قائلة بأنه من المعيب أن تضيّع طالبة دكتوارة وقتها في قراءة كتاب بهذا الحجم هو عبارة عن رواية خرافية للأطفال! فقالت لي: "عن ماذا تهذين؟

 

من قال بأن حكاية هاري بوتر هي للأطفال؟ هل قرأتها؟" أجبتها بالنفي، وبأنني لا أفكر بذلك أيضاً، فجائني عرضها بأن تعيرني أصغر هذه الكتب حجماً وهو الكتاب الأول من سلسلة مغامرات والذي كان اسمه (هاري بوتر  و حجر الفلاسفة). وافقت حياء وتقديراً لكرم زميلتي، وأنا أقول لنفسي بأنني سأحتفظ به لفترة ثم اعيدة متعللة بأن الوقت لم يسعفني لأقرأه، ولم أرد أن أبقيه معي لفترة أطول. ولكن ما حصل هو العكس تماماً..فما أن بدأت بقراءة الكتاب حتى ضعت في عالمه السحري، وصرت أقلب الصفحات بشغف طفولي، وأنا أتلهف لمعرفة النهاية! وقليلة هي الروايات والقصص التي تصنع فينا هذا الاحساس، وتعيد لنا دهشة الطفولة هذه الأيام.

لكن في أماكن مختلفة من العالم (ومنها المكسيك)، حيث لا تزال للمؤسسات الدينية سلطتها ونفوذها في امريكا الجنوبية مقارنة بأوربا، فإن هناك من ثار وأرغى وازبد وطالب برأس رولنج ورؤوس أبطالها! ومنعت بعض الكنائس أتباعها من إقتناء هذه الروايات الفاسدة التي تُشجع على السحر والهرطقة، وتجعل من السحرة والمشعوذين أبطالاً، وهو ما يتنافى مع الدين والأخلاق.

فرجال الدين لم يروا في هاري بوتر إلا ساحر صغير شرير يغوي الصغار عن طريق الخيال ودس السم في العسل. أما أنا فقرائتي لهاري بوتر جعلتني أكتشف بعداً آخر لهذه الروايات المدهشة، والتي تكشفت عن عبقرية هذه الكاتبة فذه فعلاً. فمن يقرأ روايات رولنغ بعمق سيكتشف بأنها حاولت أن توصل رسالة غاية في الأهمية لنا عامة وللأجيال المقبلة خاصة.

رولنغ ابنة المجتمع البريطاني الذي طالما باهى بتعدد ثقافاته وقبوله للاختلاف على صعيد الدولة والمؤسسات، ولكنه في الوقت نفسه لم يتخلص من العنصرية كلياً، أرادت أن ترسل رسالة عن التسامح وقبول الآخر المختلف. فهاري الذي يصل مدرسة السحرة قادماً من عالمنا الممل، يبدو غريباً وضائعاً. فهل لا يعرف أنواع الحلويات المختلفة، ولا يفقه شيئاً في قوانين اللعبة الرياضية الأولى لدى الشباب هناك، ويبدو كل شيء يقوم به غريباً ..مضحكاً وشاذاً. لكن هذا الهاري هو من سنكتشف بعد قليل أنه طالب متميز وساحر موهوب يتمتع بقدرات هائلة سرعان ما سيكتشفها الجميع، وأولهم هؤلاء الذين سخروا منها واحتقروه.


فرولنغ هنا ربما أرادت ان تقول للطلاب البريطانيين شيئاً عن هؤلاء الطلاب الجدد الذين يفدون عليهم من أصقاع الأرض كل يوم، كلاجئين أو مهاجرين، وفي نفس الوقت توجه رسالة لهؤلاء الطلاب الخائفين الخجلين أيضاً. فقد أرادتُ أن تقول لهم أنه ليس عيباً أن تكون جاهلاً بأطعمة أو ألعاب مكان جديد تفد عليه لأول مرة، وليس مشيناً أن يكون أحدهم مختلفاً عن الآخرين،  فلكل منا ميزاته وقدراته، التي متى ما ُمنحنا الفرصة فإنها لابد ستُتكشف ذات يوم.

هكذا إذن تأتي قصص (بوتر) بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لتدعو للتعايش وقبول الآخر من أجل عالم سحري جميل، يتم تسخير المعرفة والطاقات فيه لخدمة البشرية جمعاء.

 

المصدر : www.marammeccawy.maktoobblog.com

إقرأ 3457 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 25 أيلول/سبتمبر 2012 08:32
FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed