الأربعاء, 27 شباط/فبراير 2013 00:15

تحرر من القيود

كتبه  مصطفى كريم
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

(وضعت ضفدعة في إناء ماء ساخن جدًا، وعندما وضعت في الماء قفزت إلى الخارج فورًا؛ لأنها شعرت بالتغيير المفاجئ، فأحضروا قليلًا من الماء الساخن ووضعوا فيه تلك الضفدعة وأغلقوا الإناء الزجاجي الذي وضعوها فيه، فحاولت أن تقفز مرة أخرى، ولكنها لم تستطع الخروج؛ لأن الإناء مغلق بإحكام.

حاولت مرة عدة، ولكنها فشلت، فاستقرت في الماء، فزادوا كمية الماء، ثم وضعوا الماء على نار هادئة، فبدأت درجة حرارة الماء ترتفع تدريجيًّا، وأخذت الضفدعة تتعود على درجة الحرارة، فرفعوا درجة الحرارة وتعودت الضفدعة على هذه الحرارة مرة أخرى، وظلوا يزيدون من درجة الحرارة ولكن الضفدعة خرجت من الماء مسلوقة ومهترأة)[ أيقظ قدراتك واصنع مستقبلك، د.إبراهيم الفقي، ص (35)].

وهكذا كثير من الناس قد اعتادوا على مجموعة من السلوكيات التي تضرهم ولكن لم يبذلوا مجهودًا لتغييرها، ولربما تأتي هذه السلوكيات فتقضي عليهم، وهذا ما نسميه بالعادة.

فالعادة هي سلوك متكرر يصدر من الشخص بصورة لا إرادية؛ نتيجة قناعة ترسخت في عقله الباطن عبر السنين.

خطورة العادات:

وتنبع خطورة العادات من أنها تتحكم تمامًا في سلوكيات الإنسان، وبالتالي تتدخل في كل لحظة من لحظات حياته، فالإنسان في الحقيقة ما هو إلا مجموعة من العادات، كما تقول الحكمة القديمة: (اغرس فكرة احصد فعلًا، اغرس فعلًا احصد عادة، اغرس عادة احصد شخصية، اغرس شخصية احصد مصيرًا) [العادات السبع لأكثر الناس فاعلية، ستيفين كوفي، ص (63)].

فالعادات في النهاية هي التي تحدد مصير الإنسان ـ بإرادة الله تعالى ـ في الحياة سواءً أكان النجاح أم الفشل.

مثال: إنسان لديه عادة التسويف والكسل، كيف تكونت لديه هذه العادة؟

1ـ شبَّ منذ صغره فرأى أباه أو أمه يكسلان عن واجباتهما، ويُسوِّفان أعمالهما (فكرة).

2ـ بدأ يمارس نفس هذه الأفعال التي رآها من والديه (فعل).

3ـ بتكرار الفعل ومع مرور السنين تكوَّن لديه سلوك الكسل (عادة).

ما رأيك في إنسان عنده عادة التسويف والكسل، وإيثار الدعة والراحة على العمل الجاد الدءوب، فكيف سيكون ذلك مؤثرًا على حياته؟ لاشك أنه سيحصد شخصية كسولة تقوده إلى مصير الفشل الذريع.

وعلى العكس من ذلك إنسان لديه عادة الجدية والالتزام، ومع الممارسة لأفعال الجدية وحب النشاط والعمل، ترسخت في نفسه تلك العادة، فحصد شخصية جادة نشيطة منضبطة، لابد أن تقوده في النهاية إلى مصير النجاح بعون الله تعالى.

إذًا فنجاح الإنسان وخروجه من نفق الفشل مرتبط بعاداته، فللنجاح عادات كما أن للفشل عادات.

هل من الممكن تغيير العادات؟

عندما انطلقت السفينة (أبوللو 2) في رحلتها إلى القمر، تجمَّد المشاهدون على شاشات التلفاز وفي محطة الإطلاق في أماكنهم، حينما رأوا أول إنسان يمشي على القمر ثم يعود إلى الأرض، ومن أجل الوصول إلى هناك كان على رواد الفضاء في تلك السفينة أن يتخلصوا من أكبر عائق في طريق الوصول، ألا وهو قوة الجاذبية الأرضية.

ومن أجل ذلك؛ تم تحميل تلك السفينة على صاروخ فضائي ذي مراحل مختلفة، استخدم هذا الصاروخ في المرحلة الأولى للإطلاق كمًّا هائلًا من الطاقة في الدقائق الأولى من الإطلاق خلال الأميال الأولى القليلة من الرحلة، يزيد عما استخدم في غضون الأيام التالية لقطع مسافة حوالي نصف مليون ميل، وذلك للتخلص من أسر الجاذبية الأرضية.

وعادات الإنسان أيضًا لها قوة جذب هائلة؛ لأن القناعات التي نتجت عنها قد استقرت في أعماق العقل الباطن عبر السنين، ولكن مع ذلك يمكن تغييرها بالجهد والمتابعة، ومع أن ذلك يستغرق جهدًا جبارًا في أول الأمر، لكننا بعد ذلك يخف الأمر علينا بعد أن نشعر بالتخلص من أسر هذه العادات، وما لها من آثار سلبية على حياتنا.

والرائع في الأمر أننا عندما نستبدل عادات الفشل بعادات النجاح، فإن عادات النجاح أيضًا تكون لها نفس تلك الجاذبية القوية، بمعنى أننا لن نستطيع التخلي عنها بسهولة، مما يحتم علينا أن ننجح ولو رغمًا عنَّا، فالعادات إذًا لها قوة جذب هائلة وبإمكانك أن تُسخِّر تلك القوة لتعمل لصالحك، أو تُسخِّرك هي لنفسها لتعمل ضد نفسك، فالعادات يمكن تغييرها جزمًا، وهذا مقتضى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: ١١].

يقول الإمام الغزالي رحمه الله: (لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات، ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حسنوا أخلاقكم)، وكيف ينكر هذا في حق الآدمي وتغيير خلق البهيمة ممكن، إذ ينقل الصقر من الاستيحاش إلى الأنس، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك، والفرس من الجماح إلى سلاسة الانقياد، وكل ذلك تغيير للأخلاق) [إحياء علوم الدين، الغزالي، (2/255)].

الرياضة وتغيير العادات:

ولا نعني هنا ممارسة الرياضة البدنية من كرة وألعاب قوى وغير ذلك، وإنما الرياضة هو المصطلح الذي أطلقه علماء التربية المسلمون على الممارسات التربوية التي يمكن من خلالها تغيير الأخلاق والعادات السيئة، واستبدالها بأخرى حسنة.

ويشرح لنا الغزالي رحمه الله تعالى معنى الرياضة، فيقول: (وهي حمل النفس على الأعمال الجالبة للخلق المطلوب، فمن أراد تحصيل خلق الجود فليتكلف فعل الجواد من البذل؛ ليصير ذلك طبعًا له، وكذلك من أراد التواضع تكلف أفعال المتواضعين، وكذلك جميع الأخلاق المحمودة، فإن للعادة أثرًا في ذلك، كما أن من أراد أن يكون كاتبًا تعاطى فعل الكتابة، أو فقيهًا تعاطى فعل الفقهاء من التكرار حتى تنعطف على قلبه صفة الفقه، إلا أنه لا ينبغي أن يطلب تأثير ذلك في يومين أو ثلاثة، وإنما يؤثر مع الدوام، كما لا يطلب في النحو علو القامة في يومين أو ثلاثة، فللدوام أثر عظيم) [مختصر منهاج القاصدين، ابن قدامة، (3/10)].

بهذا النص التربوي الثمين يقرر لك الإمام الغزالي رحمه الله القاعدة الذهبية في تحويل العادات السلبية إلى أخرى إيجابية، وهي قاعدة وضعها من قبله سيد المربين محمد r حينما قال: (إنماالعلم بالتعلم، وإنماالحلم بالتحلم، ومن يتحرَّ الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه) [رواه الطبراني، وحسنه الألباني].

فطريق التخلص من عادات الفشل، واستبدالها بعادات النجاح؛ إنما يكون بتكلف عادات النجاح وأفعالها وسلوكياتها لفترة طويلة، يبذل فيها طالب النهوض جهدًا كبيرًا حتى تصير عادات النجاح له طبعًا متأصلًا فيه، بحيث تصدر عنه سلوكيات الناجحين بلا تكلف ولا حرج.

وتبعًا لذلك فإن العامل الحاسم في تغيير العادات هو مدى صبر الإنسان على مقاومة جذب العادات القديمة له، وتحمل الضغط الناشئ من تكلف العادات الجديدة.

الواجب العلمي:

استخدم تقنية مولد السلوك الإيجابي وهي تقنية رائعة وفعالة من تقنيات البرمجة اللغوية العصبية تساعد على برمجة العقل الباطن وفق العادات الإيجابية، من خلال ما يلي [قوة التحكم بالذات، د.إبراهيم الفقي، ص(115-117)، بتصرف]:

1ـ اختر مكانًا هادئًا ومريحًا بحيث لا يزعجك أي أحد على الإطلاق لمدة 30 دقيقة على الأقل.

2ـ فكِّر في سلوك أو عادة إيجابية ليست عندك، ولكنك تتمنى أن يكون لديك، مثل هذا السلوك مثل الجرأة أو الثقة بالنفس... إلخ.

3ـ تنفس بانتظام وفكِّر في أحد الأشخاص الذين يحوزون إعجابك ممن تعتقد أن لديه هذا السلوك، وإذا لم يكن في ذهنك شخص بعينه تخيل أحد الأشخاص.

4ـ أغمض عينيك وتخيَّل أن أمامك حاجزًا شفافًا يمكنك الرؤية من خلاله.

5ـ تخيَّل أنك ترى الشخص الذي في ذهنك من خلال هذا الحاجز الشفاف، وقم بملاحظة ما يفعله، وكيف يتكلم، وكيف يتنفس، ولاحظ أيضًا تعبيرات وجهه وتحركات جسمه، وهو يمارس ذلك السلوك الإيجابي الذي تود اكتسابه.

6ـ تخيَّل أن جزءًا منك يسبح في الهواء متخطيًا الحاجز الشفاف، ليقف بجانب ذلك الشخص حتى يتعلم الطريقة التي يتصرف بها.

7ـ تخيَّل الجزء السابح منك يحل محل الشخص الذي تعتبره نموذجًا، وأن هذا الجزء أصبح يمتلك كل ما تحتاجه للسلوك الجديد، لدرجة أن تشعر أنك مقتنع به تمامًا.

8 ـ تخيَّل أن الجزء السابح منك يعود لك متخطيًا الحاجز الشفاف، ويندمج مرة أخرى في جسمك، قم بملء إحساسك بهذا الاندماج، أنت الآن تملك السلوك الذي تتمناه.

9ـ تخيَّل نفسك في المستقبل وأنت في أحد المواقف التي كان من الممكن في الماضي أن تحد من تصـرفاتك، ولاحظ كيف ستتصـرف وفقًا للمعلومات التي اكتسبتها، والسلوك الجديد الذي هو لديك الآن.

10ـ عندما تكون راضيًا تمامًا عن السلوك الجديد الذي اكتسبته، ارجع للحاضر ببطء وافتح عينيك.

11ـ كرِّر هذا التمرين كل يوم لمرة واحدة، وستندهش من حجم التغيير الذي سيحدث في عاداتك بعد شهر واحد.

 

المصدر : www.islammemo.cc

إقرأ 4989 مرات
FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed