الجمعة, 22 شباط/فبراير 2013 01:15

جريمة قتل

كتبه  مصطفى كريم
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

نعم جريمة قتل، تحدث كل يوم وكل ليلة، يتعرض لها المئات بل الآلاف من البشر، إنها جريمة قتل ترقى إلى أن تكون إبادة جماعية، ولكن دون أن يطرف لأحد جفن، بل يفلت المتهم كل مرة من العقاب، وتصرخ الضحية فلا تجد من يسمعها، وتستغيث بالجميع ولكن قليل أو ربما لا أحد يجيبها، وربما كان بعضنا مشاركًا في هذه الجريمة، ربما تكون أنت ـ عزيزي القارئ ـ في قائمة المتهمين، أراك تتعجب من كلماتي ولكنها قد تكون الحقيقة فلا تتسرع في نفي التهمة عن نفسك.

هل تتذكر يوم أن قال لك المجني عليه: لدي فكرة جديدة قد تغير حياة البشر، فقلت له: ومن تكون أنت حتى تبدع فكرة تغير حياة البشر؟!

ألم يمر عليك يوم قال لك ابنك المجني عليه: أبي، انظر لهذه اللوحة التي رسمتها، فقلت له: أي لوحة! وأي رسم! سيئة ولا تعبر عن شيء، اهتم فقط بمذاكرتك.

ألم تكن يومًا ما جالسًا مع موظفك المجني عليه: سيدي المدير، لو اختصرنا تلك الخطوة في العمل فستكون إضافة جديدة لا تؤثر على المنتج ولكنها ستسرع عملية الإنتاج، فنهرته قائلًا: ركز في مجال عملك، لم يكن ينقصني سوى إبداعك!!

هل نسيت يوم أن قالت لك زوجتك المجني عليها: زوجي العزيز، ألا ترى الترتيب الجديد للأثاث، هل أعجبك؟ لقد أخذ مني ساعات حتى أغير ديكور المنزل، فرددت بعد أن رشفت رشفة من كوب الشاي الذي أعدته زوجتك قائلًا: ساعات؟! ألم يحسن بك أن تصنعي طعامًا أفضل أو تهتمي بالمذاكرة للأولاد؟! كما أن الديكور القديم أفضل.

أما زالت تنفي التهمة عن نفسك؟! هذا غيض من فيض وقليل من كثير والأمثلة تكاد الصفحات لا تحتويها، ولا المقالات تحصيها، ولكن تابع معنا مجريات التحقيق مع المتهم، والجريمة التي قبض على المتهم بسببها هي تحت عنوان

"قتل الإبداع"

التحقيق مع متهم:

ولكننا آثرنا أن نعلن الحرب على هذه الجريمة، واستطعنا بعد جهد طويل أن نقبض على متهم، واعترف المتهم بأنه قام بقتل الإبداع لمرات ومرات مع زوجته وأولاده وأصدقائه وزملائه ومرئوسيه في العمل، ودار التحقيق التالي معه:

المحقق: التهمة الموجهة إليك هي تهمة قتل الإبداع، فما هي أدوات الجريمة التي استخدمتها؟

المتهم: مجموعة من العبارات والألفاظ والإشارات والإيماءات.

المحقق: وما هي؟ نريد حصرًا لها، اذكر أكثر كم ممكن من تلك العبارات.

المتهم: هي كثيرة ومتعددة، سأحاول حصر تلك العبارات [مستفادة من تنمية مهارات الابتكار، المركز العربي للتطوير الإداري، ص(92)] قد المستطاع، ومن أهمها:

  1. 1.لا داعي لهذه الأفكار السخيفة.
  2. 2.لقد جربنا هذه الأفكار من قبل.
  3. 3.هذه الفكرة ستكلفنا الكثير.
  4. 4.لا نستطيع أن ننفذ هذه الأفكار.
  5. 5.هذه الفكرة ستؤدي إلى تغييرات جذرية كثيرة.
  6. 6.ليس لدينا الوقت الكافي.
  7. 7.هذا يعني الاستغناء عن الكثير من الأدوات الأخرى.
  8. 8.أعتقد أننا لسنا بالخبرة الكافية لتنفيذ هذه الفكرة.
  9. 9.لم أسمع بهذه الأفكار من قبل.
  10. 10.لا تبالغ كثيرًا، لنكن أكثر واقعية.
  11. 11.لماذا التغيير؟ فكل شيء على ما يرام.
  12. 12.الوضح الحالي غير مهيأ لهذه الفكرة.
  13. 13.هذه الفكرة سابقة جدًا لأوانها.
  14. 14.من الصعب أن نغير الآخرين.
  15. 15.لا أستطيع تحمل مسئولية هذه الأفكار، افعل ما تريد بمفردك.
  16. 16.من الصعب أقناع الآخرين بقبولها.
  17. 17.لن توافق الإدارة العليا إطلاقًا.
  18. 18.أجِّل الفكرة لوقت لاحق.
  19. 19.لن أقبل الفكرة فنحن لم نستخدمها أبدًا من قبل.
  20. 20.لسنا على استعداد لها.

المحقق: مهلًا، كل هذه أدوات الجريمة؟!

المتهم: وما زال هناك الكثير إن أردت أن تتعرف على جميع الأدوات، بل هناك أدوات أقسى وتقتل أسرع.

المحقق: وما هي تلك الأدوات التي تقتل أسرع؟

المتهم: عبارات مثل [مستفادة من كتاب دليل التدريب القيادي، هشام الطالب، ص(242)]:

  1. 1.لو كان في فكرتك خير لاقترحها غيرك.
  2. 2.أنا متأكد أن فكرتك فاشلة ولا تصلح.
  3. 3.لن يعلمني شاب مثلك كيف أدير شركتي؟
  4. 4.لا توجد لوائح تتعلق بذلك، لا يهمني فكرتك ولكن تهمني اللوائح.
  5. 5.فكرتك مناسبة نظريًا، ولكن لم ولن تطبق عمليًا.
  6. 6.أنت لا تفهم مشكلتنا ومنفصل عننا.

المحقق: ومن كان المجني عليهم الذين ارتكبت معهم هذه الجريمة؟

المتهم: الكثير من البشر، مع أصدقائي، مع زوجتي، مع أولادي، مع زملائي في العمل، مع الموظفين في الشركة.

المحقق: حدثني أكثر عن جرائمك مع موظفيك في الشركة؟

المتهم [بعد أن تنهد طويلًا]: سيدي المحقق، سأعترف لك بأن أفظع جرائمي كانت في مجال العمل، لقد قتلت عديد الأفكار المبدعة مع موظفي الشركة.

المحقق: أخبرني عن تفاصيل أكثر.

المتهم: سأخبرك بعشرات الطرق التي استخدمتها في قتل الأفكار وارتكبت بها جرائم قتل الإبداع، كثيرة ولكن من أهمها:

  1. 1.كنت أعطي لأفكاري وآرائي العصمة واعمل على إحطاتها بإطار من الأهمية وأعززها بأنها نابعة من خبرة طويلة لا تتوفر لغيري.
  2. 2.كنت أسجل إعجابي أحيانًا بالأفكار المبدعة نظريًا فقط، ولكني أمررها بسلسلة من الإجراءات البيروقراطية، حتى يفقد صاحب الفكرة الأمل في تنفيذها.
  3. 3.كنت أقدم أهل الثقة والمطعين لاتجاهاتي وأفكاري على أهل الكفاءة والإبداع.
  4. 4.كنت أشجع الملتزمين حرفيًا باللوائح ولا أسمح لوجهات النظر التي تميل إلى الانفتاح العقلي والخلاف في الرأي، بل كنت اتهم آراء الآخرين بالسخافة.
  5. 5.لم أكن أنتظر طويلًا بعد سماع فكرة مبدعة من أحدهم، فهذا مدعاة لعدم الحسم، وربما يشجع غيره، ولكنني كنت أتسرع دائمًا في تقييم الأفكار بل والأشخاص أيضًا.
  6. 6.لم أكن أستقطب العناصر المتميزة والمبدعة في الشركة حتى أستريح من عناء أفكارهم النظرية المزعجة.
  7. 7.لم أسعَ في اكتشاف الطاقات في فرق عملي، وإذا ما أعلنت طاقة عن نفسها كنت لا أوظفها ولا أوجهها التوجيه السليم.
  8. 8.كنت أوسع مساحة الثوابت واللوائح والروتين والقوانين في الشركة واجعلها غير قابلة للنقاش.
  9. 9.كنت أنظر إلى المبادرة نظرة شك وارتياب وأتساءل دائمًا عن أسبابها وأتعامل بحذر مع المبادرين والمبتكرين وأحيانًا ما أوبخهم بشدة وقد أحول بعضهم للتحقيق لأنه خالف اللوائح والقوانين.
  10. 10.لم أكن أعلن عن كراهيتي للإبداع ولكني أترك المبتكر أسير الضغوطات المتعددة والمهام المتلاحقة حتى يسلم في النهاية ولا يحاول أن يقع في خطيئة الإبداع مرة أخرى.

المحقق: يرفع أمر المتهم إلى القاضي لاتخاذ اللازم مع إيراد كل العبارات والإشارات والإجراءات التي اتخذها والأدوات التي استخدمها في جريمة القتل.

رسالة إلى قاتلي الإبداع:

قبل أن تقع أسير هذه التهمة الفظيعة، عليك أن تتأمل كل ما سمعنا من المتهم في أثناء التحقيق معه في جريمة قتل الإبداع؛ لتتعرف كيف يكون لتلك الكلمات والعبارات والإشارات والإيماءات تأثير الخنجر في صدر المبدعين، ولتتدبر نفسك ومواقفك وتتأمل كلماتك وسلوكك اليومي وطريقة تعاملك مع الآخرين.

وموعدنا في مقال قادم مع محاكمة قاتل الإبداع، فكيف سيكون دفاعه عن وجهة نظره؟ وماذا ستكشف المحاكمة من أسرار؟ هذا ما سنتعرف عليه في المقال القادم إن شاء الله.

 

المصدر : www.islammemo.cc

إقرأ 2729 مرات
FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed